بينَ السارية والوجدان: الحقيقةُ الغائبة في معنى العلم
د. موسى الرحامنة
17-04-2026 09:51 AM
في كلِّ عامٍ، ومعَ حلولِ يومِ العلمِ الأردنيِّ، تمتلئُ الشرفاتُ، وتعلو الأسطحُ، وتُزيَّنُ المباني بالرَّاياتِ؛ مشهدٌ يسرُّ العينَ، ويُشعِرُ بالفخرِ والاعتزازِ… ولكنَّهُ يطرحُ التساؤلَ الأعمقَ والأبعدَ من مجرَّدِ ألوانٍ مرفوعةٍ:
هل يكفي أن نرفعَ العلمَ كي نحظى بشهادةِ حُسنِ وفاءٍ لهذا العلمِ؟ أم أنَّ للعلمِ مقامًا أكبرَ وأجلَّ قدرًا من أن يُختزلَ في حضورٍ بصريٍّ عابرٍ؟
الحقيقةُ التي قد لا تُقالُ كثيرًا: أنَّ العلمَ لا يُقاسُ بعلوِّه فوقَ السَّواري، بل بعلوِّه في الضمائرِ، ولا يُقاسُ بارتجافِه في الريح، بل بثباتِه في القلوب؛ فقد ترفرفُ الراياتُ على الأسطحِ شامخةً، بينما تخبو معانيها في السلوكِ، وقد يغيبُ القماشُ عن الجدرانِ، لكنَّ الرمزَ قد يكونُ حاضرًا في الأفعالِ، نابضًا في المواقفِ، متجليًا في ضميرٍ حيٍّ لا يخون.
العلمُ في جوهرِه ليس شيئًا يُعلَّقُ، بل معنى يُحمَلُ، وليس زينةً تُرى، بل مسؤوليةً تُدرَك؛ إنه اختبارٌ يوميٌّ للانتماءِ: في صدقِ القولِ، وإتقانِ العملِ، وصونِ الحقوقِ، وكبحِ كلِّ يدٍ تمتدُّ إلى الوطنِ بسوءٍ ولو في الخفاء؛ فمن يرفعُ العلمَ بيدٍ، ثم يسيءُ إلى وطنِه بيدٍ أخرى، لم يخطئ الفعلَ فقط، بل أساءَ فهمَ الرمزِ، وأهانَ ما ظنَّ أنه يُجِلُّه.
ولعلَّ التاريخَ، إذا تجرَّد من ضجيجِ الحوادثِ وأصغى إليه القلبُ قبلَ السمعِ، لم يحدّثنا عن معاركَ تُحصى، بل عن معانٍ تُخلَّد؛ فهو يهمسُ بأنَّ الراياتِ لم تكن يومًا قماشًا يُرفَعُ على الرماحِ، بل كانت أرواحًا تُجلَّلُ بالمجد، وكرامةً تمشي على حدِّ السيوف، وعهدًا مكتوبًا بمدادِ الفداء لا تمحوه الريح.
وفي مؤتةَ، لم يكن سقوطُ الأجسادِ هو ميزانَ الهزيمة، بل كان سقوطُ اللواءِ هو الجرحَ الأعظم؛ إذ لم تكن المعركةُ صراعَ سيوفٍ فحسب، بل صراعَ بقاءِ المعنى قبل بقاءِ الجسد؛ لذلك لم يكن حاملُ الرايةِ فردًا، بل كان وطنًا يمشي على أديم الأرض، وكان انتقالُ اللواءِ من يدٍ إلى يدٍ كأنما انتقالُ الروحِ في جسدٍ يأبى أن ينهار، وكأنها قسمٌ لا يُكتب بالحبر، بل يُنقش بالدم.
لم يكن القماشُ مقصودًا لذاته قط، بل كان ما وراءه هو المقصود: أن يبقى الوطنُ قائمًا في أعماقِ المعنى، ثابتًا في الوجدان، مرفوعًا في الوعي، ولو تهاوت الأجسادُ تحت ثقلِ اللحظة. هناك، لم تكن الرايةُ علامةَ حربٍ، بل ميزانَ كرامةٍ؛ ولم تكن قطعةَ نسيجٍ، بل سؤالًا وجوديًّا: كيف تبقى الأمةُ واقفةً إذا انحنى كلُّ من يحملها؟
وفي سجلِّ الأممِ، تتشابهُ الحكايةُ وإن اختلفتِ الأعلامُ: جيوشٌ كانت ترى في فقدانِ رايتها انكسارًا للروحِ قبل الجسد، لأنَّ الرايةَ ليست رمزًا خارجيًّا، بل ذاكرةُ الأمةِ حين تتجسَّد، وكرامتُها حين تُختصر، واسمُها حين يُرفعُ في وجهِ العالم.
أمّا العلمُ الأردنيُّ، فليس طارئًا على التاريخِ، بل هو امتدادُه الحيّ؛ هو صدى الثورةِ العربيةِ الكبرى حين كانت الفكرةُ أكبرَ من الجغرافيا، وأوسعَ من الحدود؛ ألوانُه ليست زخرفًا بصريًّا، بل لغةٌ مشفَّرةٌ للتاريخ: سوادٌ يختزنُ ذاكرةَ الأزمنةِ، وبياضٌ يلمعُ كنقاءِ الرسالةِ حين تولد، وخضرةٌ تمتدُّ كالأملِ حين يزهر، وحُمرةٌ تنبضُ كدمٍ لم يُهدرْ عبثًا؛ وفي قلبِه نجمةٌ سباعيةٌ، ليست شكلاً هندسيًّا، بل إشارةٌ إلى معنى أن تكتملَ الأمةُ بالقيمِ قبل الأعداد.
لكنَّ السؤالَ الذي لا يهربُ منه الوعي: ماذا يعني أن نحملَ العلمَ حقًّا؟
أن تحملهُ يعني أن يكونَ ضميرُكَ مستيقظًا حين تغفو العيون، وأن يكونَ عملُكَ نظيفًا حين لا رقابةَ إلا الله، وأن يكونَ التزامُكَ بالقانونِ نابعًا من احترامِ المعنى لا من خوفِ العقوبة؛ أن تحملهُ يعني أن تصونَ الوطنَ في غيبتِه كما في حضوره، وأن تحفظَ صورتهُ في نفسك قبل أن تحفظَ صورتهُ على سارية.
فالانتماءُ للعلمِ ليس طقسًا موسميًّا يُعلَّقُ في يومٍ ويُنسى في أيام، بل هو سلوكٌ ينسابُ في تفاصيل الحياة، وموقفٌ يُختبرُ في الخفاء قبل العلن؛ وما أخطرَ الأممِ حين تتحوَّلُ رموزُها إلى مظاهرَ خاويةٍ، تُرفعُ بالأيدي وتُنسى في الضمائر.
في يومِ العلمِ الأردنيِّ، لا يكفي أن نُعلّقَ الراياتِ فوقَ البيوتِ، بل ينبغي أن نرفعَ معانيها داخلَ النفوس؛ أن نُعيدَ للرايةِ وظيفتَها الأولى: أن تكونَ مقياسًا للصدق، لا زينةً للمشهد.
فالرايةُ في النهايةِ لا تسألُ: أين رُفعتْ؟ بل تسألُ: أيُّ قلبٍ وأيُّ ضمير حملَها؟
وحينها فقط، يكونُ الجوابُ على قدرِ المعنى: إمّا أن يكونَ العلمُ حياةً تُعاشُ، أو مجرّدَ لونٍ يُرى… ثم يُنسى.