اختطاف المظلومية وتطرف الدفاع: كيف تحول "التاريخ" إلى "خندق" لمواجهة الأوطان؟
الدكتور عزمي حجرات
19-04-2026 10:10 AM
ليس الصراع الدائر اليوم في شرقنا العربي مجرد خلاف فقهي حول تأويل آية أو صحة حديث، بل هو صراع وجودي تديره ماكينة أيديولوجية هائلة، نجحت في تحويل الخلاف السياسي التاريخي على السلطة منذ فجر الإسلام إلى "خندق" معاصر، يسقط فيه المواطن وينهدم فيه الوطن. إن ما نشهده هو عملية هندسة ذكية لهوية موازية، تقتات على جراح الماضي لترسم حدود المستقبل بمداد من الانقسام والتبعية.
إن جوهر الصراع الأزلي منذ عام 11 للهجرة كان ولا يزال حول سؤال واحد: من يحكم؟. ولكن الأزمات السياسية الكبرى لا تستمر لقرون ما لم يتم تأميمها دينياً. لقد حوّل المتصارعون الخلاف من إدارة شؤون الدولة إلى عقيدة وإيمان، فأصبح لكل طرف أبطاله ومقدساته ومظلومياته، مما جعل الحل السياسي مستحيلاً والصدام الأيديولوجي حتمياً، تحت غطاء من القداسة التي لا تقبل المراجعة أو النقد.
لقد أثبتت المعطيات الراهنة أن القوى الإقليمية قد استغلت سقوط الدول المركزية لتعزيز ما يمكن تسميته بـالفكر الصفوي الحديث. هذا الفكر عمل على اختطاف المكون الشيعي من حضنه الوطني، عبر ماكينة إعلامية في الحسينيات ومنصات التعبئة العاطفية التي تحول مظلومية علي والحسين —رضي الله عنهما— إلى بيان سياسي يبرر التدخل العابر للحدود، ويجعل الولاء للمركزية المذهبية الخارجية يسمو فوق الدستور والوطن.
في المقابل، برز تطرف سني موازٍ لا يقل خطورة، استغل شعار "الدفاع عن السنة" وحماية بيضة الدين لتكريس خطاب إقصائي يعظم كراهية الشيعة ويخرجهم من الملة. هذا النوع من التطرف، الذي قادته جماعات وتنظيمات سلفية جهادية وحركات تسيّست بالدين، حوّل الاختلاف المذهبي إلى معركة وجودية تبرر القتل والتهجير. لقد تم تسميم الوعي الشعبي بفكرة أن الآخر المذهبي هو العدو الأول، مما خلق حاضنة للتطرف منحت الذريعة للتدخلات الخارجية، وأحالت المدن العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات المذهبية.
إن هذا الصراع المزدوج —بين تسييس المظلومية من جهة وتطرف الدفاع من جهة أخرى— هو الذي سلب العرب أسمى قيم الكرامة الإنسانية؛ وهي حرية المعتقد. لقد قاد هذا الاحتراب العرب فعلياً إلى قاع البئر الحضاري؛ حيث تُستنزف الطاقات في حروب عبثية، وتتحول المجتمعات إلى بيئات طاردة للإبداع نتيجة سيادة الهوية الطائفية على الهوية الإنسانية. ولن يخرج العرب من هذا البئر أبداً ما دام تكفير الآخر" أو "تخوينه طائفياً هو اللغة السائدة.
إن الخروج من هذه الأزمة الكارثية لن يتم إلا بتأكيد سيادة الدولة المدنية الحديثة؛ الدولة التي تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها، وتحتكم إلى القانون لا إلى هوية الطوائف. إن الهوية الدينية حين تُسيس، تتحول إلى نصل يمزق جسد الوطن، ويحوله إلى كانتونات متناحرة حصدت من أرواح العرب أضعاف ما فعله بهم أي عدو خارجي.
إن مهمتنا اليوم هي الانتصار الهوية الوطنية. يجب أن نؤمن بأن الوطن لا يُبنى بالثأر للتاريخ، بل بإرساء قيم المواطنة والعدالة. إن الدولة المدنية التي تحترم حرية المعتقد وتصون الحق في الاختلاف هي الحصن الوحيد الذي سيحمينا من التفتت، وهي الطريق الوحيد لنخرج من ظلام قاع البئر إلى رحابة المستقبل وكرامة الإنسان.