القروض أسلوب حياة .. قراءة مصرفية في سلوك مالي يتشكل في المجتمع الأردني
د. إسحق المشايخ
19-04-2026 10:26 AM
لم يعد القرض في الأردن قرارًا يُتخذ تحت ضغط الحاجة، بل تحوّل بهدوء إلى خيار جاهز في تفاصيل الحياة اليومية، يُستدعى عند التخطيط كما يُستدعى عند العجز، حتى أصبح حضوره في ميزانية الفرد أقرب إلى القاعدة منه إلى الاستثناء،
وما يلفت الانتباه أن هذا التحول لم يأتِ نتيجة أزمة مفاجئة، بل تراكم تدريجي في السلوك، حيث تراجعت حساسية القرار المالي أمام سهولة الوصول إلى التمويل، وتقدّمت الرغبة بخطوة على حساب الحسابات المالية، حتى بات القرض جزءًا من معادلة الاستهلاك، لا مجرد أداة لمعالجة ظرف طارئ، ما كان يُنظر إليه كحل مرحلي، بات اليوم جزءًا من نمط معيشي يتشكل تدريجيًا، دون أن يُعلن عن نفسه كأزمة، لكنه يُعيد رسم العلاقة بين الدخل والإنفاق، بين ما نحتاجه فعلًا، وما اعتدنا عليه.
في الواقع المصرفي، لا يمكن إنكار الجهد المبذول في توسيع الوصول إلى التمويل، وتبسيط إجراءاته، وتسريع قراراته، وهذا تطور يُحسب للقطاع المصرفي لا عليه، لكن المسألة لم تعد تتوقف عند إتاحة القرض، بل تجاوزتها إلى سؤال أكثر عمقًا:
هل ما يُمنح للعميل يخدم استقراره، أم يراكم التزاماته؟
المشهد اليوم يعكس تحولًا مزدوجًا، فالمؤسسات المالية طوّرت أدواتها ومنتجاتها، والمواطن بدوره غيّر من سلوكه المالي
فتداخلت الرغبة مع الحاجة، وتقدّمت الراحة على حساب التخطيط، وأصبح القرار المالي يُتخذ أحيانًا بسرعة تفوق قدرة الدخل على التحمل.
المشكلة في جوهرها، ليست في القرض ،فالقرض أداة، يمكن أن تكون بابًا لفرصة، كما يمكن أن تتحول إلى عبء، والفارق لا تصنعه الأرقام وحدها، بل الوعي الذي يقف خلفها وهنا تبرز حقيقة تستحق التوقف عندها:
الخطر لا يكمن في الاقتراض… بل في الاعتياد عليه حين يتحول من قرار مدروس إلى سلوك متكرر، يفقد معناه كحل، ويبدأ كعبء.
من زاوية مصرفية، لم يعد كافيًا قياس قدرة العميل على السداد في لحظة منح التمويل بل الأهم هو قدرته على الاستمرار دون اختلال، وهنا يتجلى الدور الحقيقي للمؤسسات المالية، ليس كمصدر تمويل فقط، بل كشريك في حماية التوازن المالي للعميل.
أما على مستوى الفرد، فلا يمكن تجاهل أن القرار في نهايته شخصي ، لكن هذا القرار لا يُتخذ في فراغ، بل يتأثر بثقافة استهلاكية متصاعدة، وضغوط معيشية حقيقية، ورسائل تسويقية تجعل القرض يبدو أقرب من أي وقت مضى.
ما نحتاجه اليوم ليس تقليص الإقراض، بل إعادة ضبط بوصلته بأن يعود إلى دوره الطبيعي كأداة محسوبة ضمن خطة، لا كحل سريع لكل رغبة، وأن يتحول السؤال من هل أستطيع السداد؟ إلى هل أحتاج هذا الالتزام أصلًا؟
رأيي الشخصي :-
أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الإقراض، بل في طبيعة العلاقة معه، فحين يصبح القرض جزءًا من نمط الحياة، يفقد وظيفته كأداة، ويتحوّل إلى التزام دائم وحينها، لا تكون المشكلة في القسط بحد ذاته، بل في المساحة التي يقتطعها من راحة الإنسان واستقراره،
والأهم من ذلك، أن الخروج من هذا النمط لا يبدأ بتقليل القروض بل بإعادة تعريف الأولويات، حيث يُقاس القرار المالي بقدرته على حماية المستقبل، لا فقط تلبية الحاضر.
* باحث وخبير مصرفي