العمالة الوافدة غير المنظمة
د. جعفر النسور
19-04-2026 11:54 AM
حين يُعاد قراءة مشهد سوق العمل ، لا تبدو المسألة معقّدة بقدر ما تكشف عن ترايط واضح؛ ثلاث حلقات تتقدّم الواحدة تلو الأخرى: عمالة وافدة تتنامى خارج التنظيم، بطالة تتجذّر، وقطاع غير منظم يتسع.
وجود العمالة الوافدة بوصفها ظاهرة اقتصادية ليس أمرًا مستغربًا، بل هو جزء طبيعي وضروري في قطاعات معينة داخل أي اقتصاد. غير أنّ الإشكال يظهر حين يتجاوز حجمها الحدود المنطقية ليصل إلى حوالي مليون ونصف عامل وافد ، وتشكل حوالي 50 % من حجم القوى العاملة، في ظل مئات آلاف فقط من التصاريح النظامية. عندها لا يعود الأمر مجرد “ طلب السوق”، بل يعكس خللاً واضحًا في تنظيم سوق العمل.
المشكلة هنا ليست في العامل الوافد، بل في الإطار الذي يعمل داخله، فعندما يُتاح العمل خارج التصريح، أو دون كلفة رسوم قانونية حقيقية، تتحول العمالة الوافدة إلى خيار مفضّل لأصحاب العمل، لا لأنها الأفضل، بل على الاغلب لأنها الأرخص أجرًا. وهنا، يبدأ الاختلال الأول: سوق العمل لا يختار على أساس الكفاءة، بل على أساس الكلفة المنخفضة.
من هذه النقطة تحديدًا، تبدأ ملامح البطالة بالتكوّن ولو جزئيًا، لا باعتبارها نتاج نقص الفرص، بل كنتيجة لبيئة عمل غير متكافئة، فالعامل الأردني اصبح يدخل سوقًا لا تُطبّق فيه القواعد على نحو عادل ، فيجد نفسه أمام منافسة لا تتعلق بمهارته، بل بقدرته على القبول بشروط أقل.
وهنا، يصبح الحديث عن “عزوف” العامل الاردني عن بعض المهن طرحًا مبسّطًا أكثر من اللازم؛، فالمشكلة ليست في طبيعة المهن ذاتها، بل في ظروفها وشروطها. في الأجور المتدنية، وغياب استقرارالعمل، وضعف الحماية الاجتماعية. وعندما تُترك هذه الشروط دون معالجة، فإن البطالة لا تنخفض، بل يعاد إنتاجها، حتى مع وجود فرص عمل فعلية.
لكن هذه الحلقة لا تقف هنا، فكل من العمالة الوافدة غير المنظمة والبطالة المرتفعة يجدان أرضيتهما المشتركة في الاقتصاد غير المنظم . هذا الاقتصاد، الذي يضم مئات الآلاف من العاملين، لم يعد مجرد ظاهرة جانبية، بل أصبح الإطار الذي تتحرك فيه أجزاء واسعة من السوق.
المشكلة، إذن، ليست في كل عنصر على حدة، بل في الترابط بينها. عمالة غير مضبوطة تقود إلى منافسة مختلة، منافسة مختلة تُنتج بطالة، وبطالة تُغذّي اقتصادًا غير منظم، يعيد بدوره فتح الباب أمام المزيد من الفوضى.
كسر هذه الحلقة لا يمكن أن يتم بمعالجة جزئية. فلا يمكن ضبط البطالة دون تنظيم العمالة الوافدة، ولا يمكن تنظيمها دون تقليص الاقتصاد غير الرسمي. هي معادلة واحدة، وأي محاولة لتجزئتها تعني ببساطة استمرارها.