الشباب والأحزاب: المشهد من فوق الطاولة
عماد الشهاب
19-04-2026 02:25 PM
في المشهد السياسي الأردني، لا تكمن المشكلة في غياب الشباب عن الصورة، بل في الطريقة التي يُستحضرون بها داخلها، فهم حاضرون في الصور، في الحملات، في المؤتمرات، وفي قوائم العضوية، لكنهم غائبون إلى حدٍ كبير عن مراكز القرار، هذه المفارقة تفتح بابًا لسؤال أكثر عمقًا: هل الأحزاب في الأردن تستثمر في الشباب، أم تستخدمهم؟
من فوق الطاولة، يبدو المشهد مرتبًا، هناك تشريعات ناظمة، وهناك إرادة سياسية معلنة لتفعيل الحياة الحزبية، وهناك خطاب رسمي يضع الشباب في قلب مشروع التحديث السياسي، لكن تحت هذه الطاولة، ثمة واقع مختلف: أحزاب تبحث عن الامتثال أكثر من التأثير، وشباب يدخلون السياسة دون أن يمتلكوا أدواتها، أو دون أن يُسمح لهم بامتلاكها.
تُظهر الأرقام الرسمية أن نسبة الشباب في الأردن تتجاوز 60% من السكان، وهي نسبة يفترض نظريًا أن تجعلهم القوة الأكثر تأثيرًا في الحياة السياسية، لكن على أرض الواقع، تبقى مشاركتهم الحزبية محدودة، سواء من حيث الانخراط الفعلي أو التأثير الحقيقي.
الكثير من الأحزاب نجحت في استقطاب الشباب شكليًا، خاصة بعد تحديث قانون الأحزاب الذي شجع على توسيع قاعدة العضوية، لكن هذا الاستقطاب غالبًا ما بقي في إطار “الكم” لا “النوع”، شباب يُسجلون كأعضاء، يحضرون فعاليات، يشاركون في حملات، لكنهم لا يصنعون القرار، ولا يحددون الاتجاه.
وهنا تبدأ المشكلة: حين يتحول الشباب من “فاعل سياسي محتمل” إلى “رقم في معادلة قانونية”.
الفرق بين الاستثمار في الشباب واستخدامهم هو الفرق بين بناء القيادات وصناعة الواجهات، الاستثمار يعني تدريبًا، تمكينًا، إشراكًا في اتخاذ القرار، ومسارات واضحة للتدرج السياسي، أما الاستخدام، فيعني تعبئة، حشد، حضور شكلي، وأدوار محدودة تنتهي بانتهاء الحدث.
في التجربة الأردنية، تميل العديد من الأحزاب بدرجات متفاوتة الى النموذج الثاني، يتم استدعاء الشباب عند الحاجة: عند التأسيس لاستيفاء شروط، عند الانتخابات لملء القوائم، عند الفعاليات لخلق صورة حيوية، لكن حين يتعلق الأمر بصياغة البرامج، أو اتخاذ القرارات الاستراتيجية، يعود المشهد إلى نخب تقليدية تدير اللعبة من الأعلى.
وهذا لا يعني بالضرورة سوء نية، بل أحيانًا غياب رؤية، فالكثير من الأحزاب نفسها لا تزال في طور التشكل، وتفتقر إلى بنية تنظيمية تسمح بإنتاج قيادات جديدة خصوصا ان اغلبها نخبوية من حيث الية التشكيل والقيادة، وهي في الوقت ذاته، لم تبذل الجهد الكافي لتجاوز هذا القصور.
الشباب الأردني اليوم ليس كما كان قبل عقد أو عقدين، هو أكثر اتصالًا بالعالم، أكثر وعيًا، وأكثر حساسية تجاه القضايا الاقتصادية والاجتماعية. يتحدث بلغة الفرص، لا الشعارات؛ يبحث عن مسارات، لا خطابات.
في المقابل، لا تزال العديد من الأحزاب تعمل بعقلية تقليدية، تركز على الخطاب الأيديولوجي أو العام، دون ترجمة ذلك إلى برامج ملموسة تمس حياة الشباب اليومية: البطالة، التعليم، المهارات، الهجرة، والعدالة الاقتصادية.
هذه الفجوة بين ما يريده الشباب وما تقدمه الأحزاب تُنتج حالة من العزوف الصامت. ليس رفضًا مباشرًا، بل انسحابًا تدريجيًا، شباب يراقبون، لكن لا ينخرطون، يسمعون، لكن لا يصدقون.
وفي غياب ضمانات واضحة، ونجاحات ملموسة، يبقى الانخراط السياسي خيارًا مكلفًا، لا سيما في ظل اقتصاد يعاني من محدودية الفرص، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا ينخرط شاب في حزب لا يضمن له التأثير، وقد يعرّضه لمخاطر، في حين يمكنه التركيز على مسار فردي أكثر أمانًا؟
المفارقة أن الأحزاب نظريًا هي أفضل منصة يمكن أن تُحوّل طاقة الشباب إلى فعل سياسي منظم، لكنها، عمليًا، لم تنجح بعد في تقديم نفسها كمساحة جاذبة وآمنة وفعالة.
السبب ليس واحدًا، هناك ضعف في البرامج، محدودية في التمويل، غياب في القيادات الشابة، نخبوية التشكيل والهيكلية والقرار، وقصور في أدوات التواصل، لكن السبب الأعمق ربما هو غياب “العقد السياسي” داخل الحزب نفسه: ما الذي يقدمه الحزب للشاب مقابل انخراطه؟ ما هو المسار؟ ما هي الفرصة؟ ما هو الأثر؟
إذا كان المشهد من فوق الطاولة يبدو منظمًا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحسين هذه الصورة، بل في إعادة ترتيب الطاولة ذاتها بأدوارها وقواعدها ومنطق اتخاذ القرار فيها، وهذا يتطلب تحولات متوازية على ثلاثة مستويات مترابطة: الأحزاب، والدولة، والشباب أنفسهم. فعلى مستوى الأحزاب، لم يعد كافيًا استيعاب الشباب عدديًا، بل المطلوب إعادة بناء دورهم كمنتجين للقرار لا مجرد منفذين له، عبر مسارات واضحة للتمكين والتدرج القيادي. وعلى مستوى الدولة، تصبح الأولوية خلق بيئة سياسية آمنة ومحفزة، تُعيد تعريف العمل الحزبي كمسار مشروع وفعّال للمشاركة العامة، لا كخيار محفوف بالحذر. أما على مستوى الشباب، وهو الأكثر حسمًا، فإن التحول يبدأ من كسر عقلية الانتظار والانتقال إلى عقلية المبادرة؛ من التذمر من ضعف التمثيل إلى العمل على صناعة تمثيل جديد. وهذا يعني امتلاك الجرأة لتشكيل أطر سياسية وحزبية تعكس طموحاتهم الحقيقية، لا الاكتفاء بالانخراط في هياكل لا تشبههم. كما يتطلب ذلك الاستثمار في بناء المعرفة السياسية، والعمل الجماعي المنظم، وتطوير خطاب واقعي قادر على مخاطبة المجتمع لا فقط التعبير عن الذات، فالشباب ليسوا مجرد طرف ينتظر أن يُمنح مساحة، بل قوة قادرة إن قررت على إعادة تشكيل قواعد اللعبة نفسها..
في النهاية، لا يمكن بناء حياة سياسية حقيقية دون شباب فاعلين، ولا يمكن للشباب أن يكونوا فاعلين إذا بقوا على هامش القرار، وما بين الطاولة وما تحتها، تُكتب اليوم ملامح المرحلة القادمة: إما سياسة تُدار بالشباب، أو سياسة تُفقدهم.