كيف يتم التعامل مع ملف الفصائل المسلحة دون إشعال حروب جديدة؟
مجد جلال عباسي
20-04-2026 09:42 AM
في رقعة الشطرنج المعقدة للشرق الأوسط، لا يمكن الحديث عن أي تسوية سياسية أو أمنية شاملة دون التوقف أمام العقبة الأصعب: الفصائل والجماعات المسلحة المدعومة من الخارج، وتحديداً من إيران. هذه الكيانات، التي تمتلك ترسانات عسكرية وقواعد شعبية وهياكل تنظيمية تفوق أحياناً قدرات الدول التي تتواجد فيها، قادرة في أي لحظة على لعب دور "المُعطِّل" القاتل لأي مشروع سلام إذا استشعرت الخطر.
الخطأ الاستراتيجي الفادح في أي محاولة للحل هو تبني عقلية "المعادلة الصفرية" أو محاصرة هذه الجماعات في الزاوية. فالتاريخ الحديث يثبت أن دفع هذه الفصائل نحو حافة الهاوية، أو إشعارها بأن الحل السلمي ليس سوى فخ لتجريدها من سلاحها تمهيداً للانقضاض عليها لاحقاً، سيدفعها حتماً للقتال بشراسة انتحارية دفاعاً عن وجودها.
لضمان نجاح أي حل جذري ومستدام، يجب هندسة عملية الانتقال وفق خريطة طريق ترتكز على خمسة امور أساسية:
1- المسار السياسي . يجب فتح مسار سياسي آمن ومضمون يسمح لهذه الجماعات بالتحول إلى أحزاب وكيانات مدنية معترف بها. الهدف هنا هو تغيير ساحة المواجهة؛ من الخنادق والجبهات إلى قاعات البرلمان والمجالس المحلية. عندما تجد هذه الفصائل نفسها شريكة فعلية في صنع القرار السياسي، وتمتلك وزناً يتناسب مع حجم قاعدتها الشعبية، فإنها ستجد نفسها مدفوعة تدريجياً للتخلي عن العنف كأداة وحيدة لتحقيق المكاسب.
2- المخاوف الوجودية- فهي المحرك الأول لتمسك أي فصيل بسلاحه. يجب تقديم ضمانات محلية ودولية صارمة وموثوقة بأنه لن يتم تصفية قادتها أو ملاحقة كوادرها أمنياً بمجرد انخراطها في مسار السلام. بالتوازي مع ذلك، وبدلاً من الدعوة لتفكيكها الفوري والمهين، يجب وضع برامج مؤسسية لاستيعاب الأفراد المؤهلين والراغبين في الانضمام للجيوش الوطنية والأجهزة الأمنية الرسمية، مما يوحد القوة تحت راية الدولة وحدها.
3- السلاح - بالنسبة لآلاف المقاتلين الشباب ليس مجرد عقيدة أو أيديولوجيا، بل هو "مصدر دخل" ووظيفة ومكانة اجتماعية. أي عملية لنزع السلاح لن تنجح ما لم يرافقها مشروع اقتصادي تنموي ضخم لاستيعاب هؤلاء الشباب وتوفير بدائل معيشية ووظائف مدنية كريمة لهم. كما أن عملية تسليم السلاح يجب أن تكون متدرجة ومدروسة (تبدأ بالأسلحة الثقيلة ثم المتوسطة)، وتتزامن مع كل خطوة إيجابية تُتخذ في المسار السياسي لبناء الثقة.
4- التنمية الشاملة-عبر تحقيق التنمية الشاملة في المناطق المهمشة، توفير الخدمات الأساسية، وبناء مؤسسات قضائية عادلة—يسحب البساط تدريجياً من تحت المبررات التي تستخدمها هذه الجماعات لإبقاء سلاحها بحجة "حماية الطائفة" أو "الدفاع عن المكون المظلوم".
5- المنظومة الأمنية- فالفصائل تمثل أوراقاً متقدمة في المنظومة الأمنية الإقليمية لداعميها (إيران تحديداً). لذلك، فإن الحلول المحلية وحدها قد تصطدم بحائط مسدود إذا لم تترافق مع تفاهمات إقليمية واسعة. يجب طمأنة طهران عبر القنوات الدبلوماسية بأن دمج هذه الفصائل وتقليص نفوذها العسكري المباشر لن يُستخدم كأداة لضرب أمنها القومي أو محاصرتها في الإقليم، بل هو ترتيب جديد يضمن استقراراً يعود بالنفع الاقتصادي والأمني على الجميع.
التعامل مع ملف الفصائل المسلحة في الشرق الأوسط لا يحتمل الحلول الراديكالية ولا حلول ترامب ونسيبه غير المنطقية . السلام الحقيقي يتطلب تنازلات ومقاربات. إن محاولة استئصال هذه الجماعات بالقوة القاهرة غالباً ما تنتهي بحروب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر، بينما يظل احتواؤها، دمجها، وتطمينها هو المسار الأطول والأكثر تعقيداً، ولكنه المسار الوحيد الذي يضمن ألا ينفجر اللغم في وجه الجميع لاحقاً.