كيف يمكن لـ وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية أن تقود اقتصاد الكفاءات؟
عماد الشهاب
20-04-2026 05:40 PM
الدبلوماسية اليوم لم تعد فقط إدارة علاقات سياسية، بل أصبحت أداة اقتصادية مباشرة، تُقاس بقدرتها على فتح الأبواب وخلق الفرص في عالم لم تعد فيه الوظائف مرتبطة بمكان، ولا الفرص محكومة بالجغرافيا، تغيّر معنى الاقتصاد نفسه. لم يعد السؤال: ماذا ننتج؟ بل: ماذا نُصدّر؟، والعقول والمعرفة أصبحت أهم من السلع، والمهارات تحوّلت إلى عملة عالمية تتنافس عليها الدول كما كانت تتنافس على النفط والأسواق. في هذا التحول العميق، يقف الأردن أمام فرصة لا تتكرر كثيرًا: أن يتحول من دولة تبحث عن وظائف لشبابها، إلى دولة تُصدّر كفاءاتها للعالم كقيمة اقتصادية منظمة.
المفارقة أن الأردن لا يبدأ من الصفر، آلاف الأردنيين يعملون اليوم في شركات إقليمية وعالمية، داخل البلاد وخارجها، ويحققون نجاحات فردية لافتة، لكن هذه النجاحات، رغم أهميتها، تبقى مشتتة، لا يجمعها إطار، ولا تستفيد منها الدولة كقوة اقتصادية، الكفاءة موجودة، لكن “الإدارة الوطنية لها” غائبة، نحن أمام ثروة حقيقية… لكنها تُهدر بصمت.
هنا تحديدًا، يظهر الدور الذي يجب أن تضطلع به وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، فالسفارات لم تعد مجرد واجهات تمثيل، بل يمكن أن تتحول إذا أُعيد تعريف دورها إلى منصات نشطة تربط الكفاءات الأردنية بالطلب العالمي.
النظر إلى تجارب دول أخرى يوضح حجم الفجوة، ويكشف في الوقت نفسه الطريق الممكن، فعلى سبيل المثال في الفلبين، لم تترك الدولة تشغيل مواطنيها في الخارج للصدفة، بل بنت نموذجًا متكاملًا لإدارة هذا الملف، حيث تلعب السفارات دورًا مباشرًا في تأمين فرص العمل، ومتابعة الأسواق، وحماية حقوق العاملين، النتيجة لم تكن فقط خفض البطالة، بل تدفق مليارات الدولارات سنويًا إلى الاقتصاد.
أما في الهند، فقد تحولت الكفاءة البشرية إلى علامة عالمية بحد ذاتها، مدعومة بشبكات واسعة من رجال الأعمال والجاليات التي فتحت الأبواب وربطت الداخل بالأسواق الخارجية.
وفي إيرلندا، لم يكن النجاح قائمًا فقط على المهارات، بل على قدرة الدولة في بناء علاقات عميقة مع الشركات العالمية وغرف الأعمال، ما مكّنها من تصدير خدماتها وجذب الفرص بشكل مستمر.
هذه النماذج لا تعني أن الأردن يجب أن ينسخها، بل أن يدرك أن إدارة الكفاءات لم تعد خيارًا، بل ضرورة.
التحول المطلوب يبدأ من السفارة، فلم يعد كافيًا أن تقدم السفارة خدمات قنصلية، أو تنظم مناسبات رسمية، المطلوب أن تتحول إلى نقطة اتصال حقيقية مع سوق العمل في الدولة المضيفة: ترصد احتياجاته، تبني علاقات مع الشركات، وتفتح مسارات واضحة للأردنيين، وهذا يتطلب أيضًا تغييرًا في طريقة قياس الأداء: كم فرصة عمل تم خلقها؟ كم شراكة تم بناؤها؟ كم بابًا فُتح؟
لكن النقطة الأكثر حساسية وغالبًا الأقل تركيزا تكمن في التشبيك الذكي خارج الحدود، فالقنوات الحقيقية للوصول إلى الفرص لا تمر فقط عبر الحكومات، بل عبر غرف التجارة والصناعة، وجمعيات الأعمال، وشبكات المستثمرين في الدول المستهدفة، هذه الجهات هي التي تمتلك المعرفة المباشرة بحاجات السوق، وهي التي تقود قرارات التوظيف والتوسع والاستثمار.
هنا يصبح دور السفارات محوريًا: ليس فقط في التواصل الرسمي، بل في بناء علاقات مؤسسية مستدامة مع هذه المنصات الاقتصادية، فتح قنوات مع غرف التجارة والصناعة في العواصم العالمية، والانخراط في جمعيات رجال الأعمال، وتنظيم لقاءات دورية مع المستثمرين، كلها أدوات عملية تضع الكفاءة الأردنية مباشرة أمام صانع القرار الاقتصادي، لا على هامشه، هنا تحديدًا، ينتقل الأردن من البحث عن فرص إلى صناعة فرصه عبر حضور ذكي في قلب المنظومات الاقتصادية العالمية.
لكن هذا الدور لن ينجح دون وجود أداة مركزية، فلا بد من إنشاء منصة وطنية تجمع بيانات الكفاءات الأردنية، وتصنفها، وتعرضها بشكل احترافي، وتربطها بالفرص في الخارج، على أن تكون السفارات جزءًا فاعلًا في تغذية هذه المنصة بالمعلومات والفرص، بدون هذا الربط، سيبقى الجهد مبعثرًا، مهما كان حجم الكفاءة.
غير أن الفرصة الأكبر ربما لا تكمن في إرسال الأردنيين إلى الخارج، بل في إبقائهم في الداخل وربطهم بالعالم، فالعمل عن بُعد لم يعد استثناءً، بل أصبح واقعًا. آلاف الأردنيين يعملون اليوم مع شركات خارجية من داخل الأردن، لكن هذا النشاط ما زال خارج أي تنظيم أو رؤية وطنية، ولو تم التقاط هذه الفرصة بذكاء، يمكن للأردن أن يتحول إلى مركز إقليمي لتصدير الخدمات، دون أن يخسر كفاءاته بالهجرة.
كما لا يمكن تجاهل دور الجاليات الأردنية في الخارج، التي تشكل شبكة علاقات واسعة يمكن أن تتحول إلى جسر حقيقي بين الأردن والأسواق العالمية. هذه الجاليات، إذا ما أُحسن تنظيمها، يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في فتح الأبواب، ونقل المعرفة، ودعم فرص التشغيل.
في النهاية، القضية ليست في نقص الوظائف، بل في غياب الرؤية، الشباب ليسوا أزمة يجب حلها، بل قوة يجب استثمارها؟ هل نكتفي بمتابعة نجاحاتهم في الخارج، أم نحولها إلى رافعة اقتصادية وطنية؟
قيادة اقتصاد الكفاءات ليست مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة، هي تبدأ بقرار: أن تتحول وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية من جهة تمثيل، إلى جهة تأثير، ضمن رؤية وطنية استراتيجية، عندها فقط، يمكن للأردن أن يخرج من دائرة البحث عن الفرص، ويدخل مرحلة صنعها.