مملكة العرب الموؤودة: براءة الحسين بن علي وخنجر الطموحات النخبوية
الدكتور عزمي حجرات
22-04-2026 10:56 AM
لطالما روجت بعض القراءات السطحية للتاريخ أن الثورة العربية الكبرى كانت بوابة لضياع فلسطين وتمزق بلاد العرب. إلا أن الفحص الدقيق للمفاصل التاريخية يكشف زيف هذا الادعاء؛ فالثورة وقائدها الشريف الحسين بن علي كانوا الضحية الأولى لمشروع قومي اصطدم بـنوايا مبيتة لنخب سياسية عربية في الشام والعراق، جعلت من نبل الثورة مطيةً لانتزاع الحكم والسلطة حتى لو كان الثمن تفتيت الوحدة.
يعتبر بروتوكول دمشق (1915) الإطار العام والالتزام الهاشمي، يُعد هذا البروتوكول الحجر الأساس في فهم حقيقة ما حدث. هذا البروتوكول لم يكن مجرد ورقة مطالب، بل كان خارطة طريق رسمتها النخب العربية (من أعضاء جمعيتي العربية الفتاة والعهد) وفرضوها على الشريف الحسين كشرط لمبايعته. لقد حدد البروتوكول حدود الدولة العربية المستقلة (التي تشمل الجزيرة العربية، بلاد الشام، والعراق) وطالب بإلغاء الامتيازات الأجنبية.
والأهم من ذلك، أن نخب الشام هم من طالبوا صراحةً بعقد اتفاقيات تحالف دفاعي مع بريطانيا لضمان استقلال الدولة الوليدة وحمايتها، وهو ما يؤكد أن التوجه نحو لندن كان رغبة النخبة السياسية والأكاديمية في الشمال. وهنا تبرز الحقيقة التاريخية: أن الشريف الحسين لم يجتهد من تلقاء نفسه، بل كان منفذاً أميناً لأحلام وتطلعات هذه النخب. لقد اعتمد الحسين بن علي على هذا البروتوكول حرفياً في مفاوضاته الشاقة التي عرفت بـ "مراسلات الحسين - مكماهون"، حيث خاض معركة دبلماسية شرسة لتثبيت تلك الحدود والمطالب التي صاغها أبناء الشام والعراق.
براءة الحسين بن علي من ضياع فلسطين، هذه التهمة التي تُلصق بالثورة حول ضياع فلسطين تسقط أمام حقيقة أن الشريف الحسين هو الذي رفض التوقيع على معاهدة فرساي ورفض كل الإغراءات البريطانية لتثبيت ملكه مقابل الاعتراف بوعد بلفور. البراءة هنا تكمن في أن الحسين بن علي كان يقاتل في جبهتين: جبهة الاستعمار الخارجي، وجبهة التحركات الخفية للنخب العربية في الشمال التي كانت تجري مفاوضات جانبية مع الإنجليز والفرنسيين لضمان كراسي حكم محلية (قطرية). هذه التحركات هي التي أضعفت الموقف العربي الموحد وجعلت فلسطين لقمة سائغة، لأن القلب (مكة) كان ينبض بالوحدة بينما كانت الأطراف تسعى للانفصال السياسي.
فكان صراع السلطة الخنجر الذي مزق المشروع، لقد كانت النزعة العربية في حب الرئاسة هي المحرك الأقوى خلف الستار. فبينما كان الشريف الحسين يرى مملكة العرب كياناً واحداً يحمي الأرض والعرض، كانت النخب في دمشق وبغداد ترى فيها فرصة لانتزاع السيادة المحلية. هذا التشرذم في الولاءات هو الذي سمح للفرنسيين بدخول سوريا وللإنجليز بتثبيت أقدامهم في فلسطين. لم يكن الاستعمار قوياً بقدر ما كانت الجبهة الداخلية العربية مهترئة بسبب النوايا المبيتة لانتزاع السلطة من القيادة التاريخية للثورة.
الإنصاف التاريخي بين ثبات المبادئ وزيف الطموحات المستمرة، يوجب علينا شجاعة أدبية لإعادة الاعتبار لرجلٍ ظُلم حياً وميتاً؛ فالشريف الحسين بن علي لم يكن مجرد ثائر، بل كان القومي الأخير الذي دفع ثمن تمسكه بوحدة الجغرافيا والمصير. إن إنصافه يبدأ من إدراك أن فلسطين وأرض العرب لم تضع بسبب رصاصة الثورة، بل ضاعت تحت وطأة الأنا السياسية للنخب التي استبدلت حلم الأمة الكبرى بمغانم الدويلات الصغرى.
لقد استثمر المستعمر في هذه الطموحات لتمزيق المشروع الهاشمي، وتمرير وعد بلفور، ورسم حدود سايكس بيكو؛ وهو نفس النهج المستمر والممتد ليومنا هذا، حيث نرى من يسمون أنفسهم معارضين أو قوميين يلجؤون للصهيوني أو لجهات أجنبية ذات قوة، للتحالف معهم سراً وعلانيةً، سعياً وراء السلطة والنفوذ، ضاربين بعرض الحائط ثوابت الأمة ومصالحها العليا.
أختم القوم أن التاريخ سيبقى شاهداً على أن الحسين بن علي واجه النفي والوحدة وهو متمسك برفضه التنازل عن شبر من فلسطين، في حين كانت بعض النخب التي تسلقت أكتاف الثورة منشغلة بترتيب كراسيها. براءة الثورة وقائدها حقيقة ساطعة؛ إذ لم تخسر فلسطين في مكة، بل خسرها العرب عندما تغلبت شهوة الحكم لدى نخبهم على روح الوحدة.