من أين جئنا بهذا العناد للأردن؟
الدكتور عادل الوهادنة
24-04-2026 11:37 AM
يبدأ هذا النص من تساؤلات صريحة، قد تبدو للبعض غريبة، لكنها في حقيقتها تعكس حالة نعيشها يوميًا دون أن نتوقف عندها:
من أين جئنا بهذا العناد للأردن؟
لماذا نحن، خلافًا لغيرنا، نتصدى للكتابة رقميًا عن الأردن؟
لماذا ندخل في نقاش موزون وبالحجة مع غيرنا؟
لماذا نؤكد دائمًا أن بوصلتنا هي الدولة والملك؟
لماذا، ونحن غير مختصين، نذهب إلى أبعد نقطة في استخدام الإحصاءات للرد على معلومة خاطئة؟
لماذا ما زال البعض يحاربنا وينعتنا بكل لفظ مزعج، ولا نرى من يتصدى لهم؟
لماذا، حين نحتاج إلى سندٍ علني يوازي ما نقدمه، لا نجد ذات الحضور في الدفاع عنا، بينما يطغى في المشهد الإعلامي إبراز المناسبات والصور الاحتفالية والترويج الوعودي، دون جهدٍ مكافئ في دعم الخطاب الجاد المبني على الحجة؟
لماذا نشأنا على هذا النهج ولم نتغير، رغم انتكاسات غير مبررة؟
ولماذا لا نبخل على بلدنا، دفاعًا وعلمًا، دون انتظار مقابل؟
هذه الأسئلة، رغم بساطتها الظاهرة، لا تُجاب بإجابات سريعة… لأن ما وراءها ليس سلوكًا عابرًا، بل بنية وعي تشكلت عبر الزمن.
أولًا، لأننا نشأنا على مفهوم الدولة لا الظرف
في كثير من البيئات، يرتبط الانتماء بالمصلحة أو اللحظة. أما في حالتنا، فقد ترسّخ مفهوم الدولة ككيان مستمر، يتجاوز الأفراد والظروف. هذا الفهم يجعل الدفاع عن الدولة ليس خيارًا، بل امتدادًا طبيعيًا للاتزان الداخلي.
ثانيًا، لأننا تعلمنا أن الحجة أقوى من الصوت
الدخول في نقاش موزون ليس ضعفًا، بل نضج في إدارة الخلاف. الاعتماد على الأرقام والتحليل هو محاولة لتثبيت الحقيقة، لا لمجرد كسب الجدل. نحن لا نبحث عن انتصار لحظي، بل عن رواية قابلة للبقاء.
ثالثًا، لأن البوصلة واضحة
حين تكون المرجعية الدولة والقيادة، تقل مساحة التشتت، ويصبح النقاش أكثر اتزانًا. هذا لا يلغي النقد، بل يعيد تعريفه: نقد من داخل الإطار، يحافظ على التوازن ولا يهدمه.
رابعًا، لأن الفراغ لا يبقى فارغًا
قد لا نكون جميعًا مختصين، لكننا أدركنا مبكرًا أن غياب المعلومة الدقيقة يفتح المجال أمام المعلومة المشوهة. لذلك، لم يكن الاتجاه نحو الإحصاءات ترفًا، بل ضرورة. تعلمنا لنملأ الفراغ، لا لننسحب منه.
خامسًا، لأن كل مواجهة ليست بالضرورة ظاهرة
الهجوم الذي نتعرض له لا يقابله دائمًا رد علني. لكن الواقع أن كثيرًا من عمليات التصحيح والتوازن تتم بهدوء، بعيدًا عن الضجيج. الدول لا تعمل كلها بالصوت المرتفع، بل بجزء كبير من العمل الصامت.
سادسًا، لأن الثبات ليس قرارًا مؤقتًا
الاستمرار رغم الانتكاسات ليس عنادًا فارغًا، بل انعكاس لقناعة متجذرة. القناعات التي تُبنى على فهم عميق لا تنهار بسهولة، بل تتكيف وتستمر.
سابعًا، لأن العطاء عندنا غير مشروط
أن تدافع، وتكتب، وتوضح دون انتظار مقابل، يعني أنك تجاوزت فكرة الربح والخسارة. هنا يصبح البلد امتدادًا للذات، وليس مجرد مساحة جغرافية.
الخلاصة
نحن لا نكتب فقط… بل نملأ فراغًا.
ولا ندافع فقط… بل نحافظ على توازن الرواية.
ولا نتحمل فقط… بل نقدم نموذجًا لانتماء واعٍ، لا يتراجع أمام الضجيج ولا ينتظر مقابلًا.
ولهذا تحديدًا، قد نُفهم أحيانًا خطأ… وقد نُهاجم كثيرًا.
لكن ذلك لا يغير الحقيقة الأساسية:
أن هذا “العناد” ليس مشكلة… بل هو، في جوهره، أحد أشكال الوفاء.