اللوائح ليست قرآنًا والقيادات ليست قدرًا أبديًا .. شرعية فلسطينية تتآكل والنظام جزء من الطريق المسدود
سمير حمدان - بودابست
25-04-2026 10:24 PM
الاحتلال لم يكتفِ بمصادرة الأرض، بل كشف هشاشة السياسة التي ادّعت طويلًا أنها تدير معركة الدفاع عنها، فالمأساة الفلسطينية لم تعد فقط في مستوطن يبتلع التلال، ولا في جيش يحاصر المدن، بل في نظام سياسي يشيخ من دون أن يعترف بشيخوخته، ويتحدث باسم شعب حي بأدوات فقدت قدرتها على الإقناع والتجديد، ولذلك لم يعد السؤال من يقود، بل من يملك الجرأة ليقول إن البنية كلها تحتاج إلى مراجعة، وإن اللوائح ليست قرآنًا، وإن القيادات ليست قدرًا أبديًا.
المشكلة أن التاريخ تحوّل، عند بعض من يديرون المشهد، من مصدر شرعية إلى وسيلة تعطيل، وكأن ما أُنجز في مراحل سابقة يمنح تفويضًا مفتوحًا، وكأن التضحيات القديمة تكفي لتبرير العجز الجديد، بينما الحقيقة التي تحدث عنها كارل فون كلاوزفيتز أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، لكن ما يحدث هنا هو العكس، سياسة فقدت قدرتها على إنهاء الحرب، واكتفت بإدارتها، حتى تحولت إلى جزء من استمرارها.
في تجارب تحرر أخرى، لم تُحفظ الشرعية بالتاريخ فقط، بل بقدرتها على التجدّد، في فيتنام لم يكن الانتصار نتيجة ثبات البنية، بل نتيجة قدرتها على التكيّف، وفي الجزائر لم تتحول الثورة إلى نظام مغلق إلا حين بدأت تفقد زخمها، لأن حركات التحرر لا تُهزم فقط من الخارج، بل حين تتصلب من الداخل.
هنا يصبح السؤال أكثر قسوة، هل النظام الداخلي نص مقدس، وهل القيادات منزلة من السماء، أم أنها تجربة بشرية تُقاس بقدرتها على فتح أفق جديد لا باستدعاء أمجاد قديمة، فالمشكلة ليست في وجود لوائح، بل في تقديسها، وفي استخدامها كجدار يمنع الهواء عن جسد سياسي متعب، وفي تحويلها إلى أداة لإغلاق المستقبل باسم حماية الماضي.
الشعب الفلسطيني لا يعيش أزمة إدارة فقط، بل أزمة معنى، لأن من يرى أرضه تُسرق وبيته يُهدم وأفقه يُسد، لا يكفيه خطاب محفوظ، ولا تدوير الوجوه داخل الدائرة نفسها، بل يريد سياسة توازي تضحيته، ومؤسسات تحترم وعيه، وقيادة تدرك أن الزمن ليس تفصيلًا، وأن جيلًا كاملًا نشأ ولم يصوّت مرة واحدة منذ انتخابات 2006، ومع ذلك يُطلب منه أن ينتظر.
وهنا يصبح السؤال أكثر مباشرة، هل يُراد لهذا الجيل أن يبقى خارج القرار، وهل ما زالت الكوتة هي التي تحدد من يمثل ومن يُقصى، وهل تحولت التنظيمات من أدوات تحرر إلى أدوات توزيع مواقع، وهل يمكن لقضية بهذا الحجم أن تُدار بمنطق الحصص، بينما يُطلب من شعب كامل أن يدفع ثمنها، وهل بقيت السياسة أسيرة برامج قديمة لم تعد ترى الواقع كما هو، بل كما كان.
لقد حكمت أحزاب كثيرة في العالم طويلًا ثم تراجعت، وذهبت قيادات وجاءت أخرى، ولم تسقط الأوطان، بل بقيت حية لأنها عرفت أن التداول ليس خيانة، وأن التغيير حماية للتاريخ لا طعن فيه، وحده الفلسطيني يُطلب منه أن يقبل بالعقل نفسه مهما تكررت الهزائم، وبالوجوه نفسها مهما تآكلت الثقة، وكأن الجمود أكثر أمانًا من الحركة.
ثم جاء الانقسام، لا كحادث عابر، بل كواقع مستقر، واقعان يعملان بالتوازي، حتى أصبح الفلسطيني يعيش في نظامين دون أن يملك دولة واحدة، وكأن السياسة نجحت في تعقيد ما عجزت الجغرافيا عن تقسيمه، وفي الخلفية، يتشكل تحول صامت، جيل يرى، يقارن، ثم يبتعد، وهذه المسافة لا تُردم بالشعارات.
وفي لحظات الاختبار، تنكشف الصورة أكثر، حين اشتعلت غزة، لم يكن السؤال فقط ماذا يحدث، بل أين السياسة، أين القدرة على تحويل الألم إلى موقف، لأن القيادة لا تُقاس في الأيام العادية، بل في لحظات المعنى، وفي عالم يُعاد فيه تشكيل موازين القوة، لم تختفِ القضية الفلسطينية، لكنها تراجعت في موقعها، لا لأن عدالتها تغيرت، بل لأن صوتها لم يعد حاضرًا بما يكفي.
هنا تتجلى المفارقة الأخطر، المشكلة ليست فقط في الفشل، بل في الاستقرار داخله، لأن الاستقرار في المكان الخطأ أخطر من السقوط نفسه، ولأن التكيف مع الأزمة قد يتحول إلى قبول بها.
ولهذا، لا يعود السؤال لماذا لم تتغير القيادة، بل لماذا لم تُجبر على التغيير، لأن الأنظمة لا تتحرك من تلقاء نفسها، بل عندما تصبح كلفة بقائها أعلى من كلفة تغييرها.
وهنا لا يعود التغيير خيارًا بل يصبح قطيعة مع منطق الكوتة، مع احتكار التمثيل، مع بقاء السياسة أسيرة ماضٍ لم يعد قائمًا، ومع فكرة أن القيادة ملكية تُورث لا مسؤولية تُحاسب، وقطيعة أيضًا مع كل ما شوّه المعنى الديمقراطي، من شراء الولاءات إلى تحويل النفوذ إلى أداة بقاء، إلى فتح الطريق أمام توريث المواقع بدل التنافس عليها، لأن أي حديث عن تجديد لا يمر عبر قواعد واضحة للاختيار الحر والمساءلة الفعلية لن يكون إلا إعادة إنتاج للأزمة نفسها بشكل أكثر أناقة.
في النهاية، لا تبدو الأزمة أن الطريق طويل، بل أن السير فيه أصبح مريحًا، ولا أن الهدف بعيد، بل أن أحدًا لم يعد يتعامل معه كهدف حقيقي، وعند هذه النقطة لا يعود السؤال لماذا لا تنتصر فلسطين، بل من يملك الشجاعة ليقول إن السياسة فشلت قبل أن يفشل الشعب، ومن يملك الجرأة ليكسر هذا الجمود لا ليُديره، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لقضية عادلة أن تُهزم من داخلها، وأخطر ما يمكن أن يحدث لشعب حي أن يُطلب منه أن ينتظر، وأمام هذا كله لا تبدو المشكلة في الطريق بقدر ما تبدو فيمن أقنع نفسه أن البقاء فيه إنجاز، وهنا لا يكون التغيير خيارًا بل مسؤولية، وما لم يحدث ذلك فلن يتغير شيء.