حين يقتل الأب أبناءه .. لا يعود الصمت حكمة
الدكتور عادل الوهادنة
26-04-2026 09:42 AM
ليست هذه حوادث غضب عابرة، ولا انفعالات لحظية يمكن ردّها إلى سوء تقدير أو انفلات مؤقت؛ نحن أمام ما يقترب من تشقق أخلاقي واجتماعي يهدد المعنى قبل أن يهدد الأمن.
أن يقتل إنسان غريب إنسانًا آخر جريمة، لكن أن يقتل الأب أبناءه، أو الابن أمه، أو القريب من جعلهم الله أمانة في عنقه… فهذه ليست جريمة فردية فقط، بل كسرٌ لفطرة العمران نفسها.
هنا لا يصلح التخفيف اللغوي، ولا ترف التبرير.
قال تعالى:
“ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون”
وما كان هذا النص تشفيًا، ولا انتقامًا، بل تأسيسًا لقاعدة ردع تحفظ الحياة من عبث المعتدين.
فالقصاص في جوهره حماية للمجتمع، ورسالة بأن الدم ليس رخيصًا، وأن الأسرة ليست ساحة مستباحة للعنف، وأن الدولة لا تتأخر حين تُنتهك أقدس الحرمات.
عندما تصبح جريمة قتل الأبناء خبراً يتكرر، فالمسألة لم تعد “حادثة”، بل إنذار.
وهنا تكون هيبة الدولة جزءًا من حماية المجتمع، لا مجرد مفهوم سياسي.
الدولة تكون حاضرة حين يعلم من تسوّل له نفسه أن الطريق يبدأ بردعٍ صارم وينتهي بعدالة ناجزة.
لا كفيل وفا، ولا كفيل دفا…
الكفيل هو القانون حين لا يلين في الدم.
والحماية هي الدولة حين تمارس سلطان العدالة بلا تردد.
عقوبة الإعدام لم تُشرّع عبثًا، ولم تُمنح للمجتمعات إلا باعتبارها رخصة إصلاح وردع، لا إسراف فيها ولا تقتير؛ تُستعمل حيث يكون الاعتداء قد تجاوز حدود الفساد إلى تهديد أصل الحياة.
من يقتل أبناءه لا يعتدي على أفراد فقط، بل يهدم فكرة الأمان داخل البيت.
ومن يرفع يده على أمه أو أبيه أو طفله حتى الموت، لا يرتكب جريمة خاصة، بل يعلن حربًا على القيم المؤسسة للمجتمع.
في مثل هذه الجرائم، التهاون لا يُقرأ رحمة، بل ضعفًا.
والتردد لا يُفهم حكمة، بل فراغًا في الردع.
المجتمعات لا تُحمى بالعواطف وحدها، بل بقانون يراه الناس حاضرًا، ويراه المجرم قبل أن يقدم على جريمته.
حين يكون القصاص حاضرًا، تحيا أرواح كان يمكن أن تُزهق.
وهذا معنى الآية… ولكم في القصاص حياة.
ليس المطلوب قسوة، بل عدالة تردع.
وليس المطلوب موعظة، بل موقف.
فالرحمة بالمجتمع أحيانًا تكون في الحزم مع القاتل.
ومن يقتل أولاده… لا يطلب له المجتمع عذرًا، بل يطلب للدولة حضورًا يليق بحرمة الدم.