مستعارون من العهد العثماني
د.سالم الدهام
26-04-2026 01:18 PM
من السذاجة بمكان أن يظنن أحد من دعاة الإصلاح والعدالة الاجتماعية أن من يتنعمون بالمال والنفوذ، ويتداورون على ضرع البقرة رباعي الشطور ممن غرقت أنوفهم في رغوة الحليب أن يقبلوا بإخوان لهم في الرضاعة حتى لو ذبحوا تلك البقرة كما فعل بنو إسرائيل، وذلك مرده أن من يمكنهم الاستيلاء على الثروة والمال والتفرد بالسلطة وتكميم الأفواه ممن أعيروا إلينا من العهد العثماني البائد... سيفعلون ذلك ما وسعهم إليه سبيل، سيفعلون أولا بشكل ناعم ومغلف بالأبوة والأخوة وقدرة الكبار على تشخيص مصلحة الأفراد كما يفعل الآباء البخلاء عندما يحرمون أبناءهم بحجة التربية والحفاظ عليهم من أن ينزلق بهم المصروف المدرسي البسيط من ثمن ساندويتش الفلافل إلى سيجارة (القولد كوست) وما شابه، بينما يمارس هؤلاء الآباء كل نزوات "سيد احمد عبد الجواد" في رواية "بين القصرين"... وإذا لم تفلح سياسة فرض الحرمان المغلفة بالأبوة والظروف المرحلية والاستحقاقات المختلفة والحفاظ على أمن المجتمع وسلمه ووحدة نسيجه، فإن البديل هو الإقصاء و التهميش وتضييق هوامش الحركة والمناورة، وصولا إلى الشيطنة والبطش الذي تجسده عبارة الضرب بيد من حديد، ولاحقا كسر الإرادة من خلال الإكراه على تقبيل تلك اليد الحديدية من أجل البقاء.
ولعل من لطائف صنع العقل الإداري والسياسي في بلدنا الحبيب أن تلك الغايات النبيلة- وفي مقدمتها استحقاقات الأمن والطمأنينة التي تبرر كل خرق وكل استثناء من النواميس والقواميس القانونية- لا يمكن تحقيقها إلا بالتمييز وتعظيم مكتسبات رهط من المجتمع عبر فصلهم عن قنوات الكسب والنفوذ من خلال تصميم أنظمة عمل خاصة في القطاع العام، وتوفير فرص ثمينة في القطاع الخاص واستثناءات حكومية مقصودة هنا وهناك، وهيئات مستقلة تتجاوز مداخيلها حد اكتفاء شر الفاقة والجوع إلى حد الترف والسمنة والثراء.
الشعوب التي ألقيت عليها الديمقراطية منحة من السماء ليست حريصة على حمايتها وصيانتها والدفاع عنها، ذلك لأنها لم تدفع أثمانها كما هو الحال في المجتمعات الديمقراطية الحقيقية التي نضجت ثمارها بشكل طبيعي على الأشجار، وتحت أشعة الشمس الحارقة دون الحاجة لقطفها وتخميرها في مناطق حارة ومعتمة كما يفعل مزارعو الموز، هذه المجتمعات هي التي تحمي الديمقراطيات وتحرص على صيانتها وتنميتها والارتقاء بها، والمحصلة في تلك المجتمعات هي احترام حقوق الفرد بوصفه فردا منتجا جديرا بالاحترام قبل أن يكون جزءا من مجموعة أو فئة أو قبيلة، وبعيدا عن مركزه الاجتماعي في تلك المجموعة أو الفئة أو القبيلة، تلك هي الحداثة التي ينشدها الجميع، الحداثة العادلة، وليست الحداثة المرتبطة بعداد الزمن وبالتزامن مع اللحظة الأخيرة، آخذين بعين الاعتبار أن المصلحة العليا ليست إلا نتاجا لجميع تلك المصالح الفردية التي تسفر عنها اختيارات الأفراد ورغباتهم غير المزورة، مهما اجتهد المنظرون في تفسير المصلحة الوطنية العامة وجدّوا في تعريفها.
المجتمعات الحية تدرك أن الديمقراطية تحتاج حراسة مستمرة، كي لا يدفع المجتمع أثمانا ربما تكون أكثر كلفة، وحراستها إنما تتم بمزيد من الحريات، مع ضرورة انفراد أصحاب الكلمة الصادقة عن القطيع الذي يغذ السير بخرافه القوية ذاته القرون الحلزونية الصلبة في قتال بعضها... وإناثه الرشيقة نحو الزرائب المفضية إلى محلات الجزارة وملاحم الموت؛ لتقدم شواء لذيذا على موائد ذلك الرهط الذي أسلفت الحديث عنه قبلا...لابد لذوي الرؤوس التي يسكنها البصر والبصيرة ممن لم ينخرطوا في تخمير الموز، ومباركة الرؤى المشوهة والأنظار القاصرة من أن يقولوا كلمتهم في كل حين، ورغم كل ظرف لتخصيب الوعي العام من باب صدقة المعرفة دون أن ينتظروا شكرا أو ثناء من أحد.
أقول هذا لأن الذين يمسكون زمام الأمور ومفاصل المسؤولية العامة هم حفنة من القادمين من الجغرافيا الميكافيللية، ومعهم الآباء البخلاء أو نبلاء القرون الوسطى الذين أفرزهم نظام الإقطاع البائد في أوروبا آنذاك، وأعاد النظام العثماني الدابر إنتاجهم من جديد في صورة بشوات وشيوخ لتشديد القبضة الحديدية على المجتمعات التي كانت تتململ من الضرائب وسوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية... واقترضت كثير من الدول ذات الهياكل الهشة والاقتصادات الطفيلية التي تعيش على المنح الأسلوب ذاته حين قررت هي الأخرى إنتاج ديمقراطيات هشة وتقديمها للمجتمع على سبيل المنح والمساعدات لا عن قناعة واستحقاق، وهي كذلك منذ عقود طويلة وستظل لعقود أطول تمارس النهج نفسه طالما أن النظام العالمي المزعوم يهندس الدول ويتحكم بمصائرها ومصائر أبنائها تحت عباءة السيادة منزوعة الدسم...، وطالما أن ذوي الرأي والبصيرة لم ينفردوا عن القطيع.
وبالرغم من مظاهر الاستقرار التي تطبع مرحلة ما بعد الربيع ، إلا أن الأمر لا يخلو في مثل هذه التوقيتات من حالات عدم استقرار جوي، قد تحدث بفعل بعض الانزياحات الطارئة في قواعد نظام يوشك أن يلد قطبه الثاني، ما قد ينجم عنه إعادة توزيع مراكز القوة والنفوذ، الأمر الذي سينعكس بالتأكيد على الهياكل التابعة، مما قد يؤدي إلى هندسة تلك الهياكل المعتمدة على مراكز النفوذ العالمية بما يتفق مع الأوضاع المستجدة في كل مرحلة، فمن الطبيعي حدوث مثل تلك الارتدادات بحسب بعدها وقربها من مركز الزلازل، بخلاف الهياكل السياسية المبنية على قواعد اجتماعية واقتصادية وسياسية صلبة فإن فرصتها في الثبات ومقاومة الانزلاقات واستيعاب الاهتزازات السياسية أكبر ، ومن ثم فهي أقدر على إعادة التموضع والثبات، وأخيرا هل يرعوي المقاولون البلهاء والآباء البخلاء وسلاسل السياسيين المستوردين من العصور الوسطى، والمعارين من مخلفات العهد العثماني البائد عن ممارسة الوصاية علينا، أما آن لهم أن ينقرضوا ويرحلوا لنتنفس هواء نقيا خاليا من روائح الفساد التي ملأت علينا البر والبحر.