facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




صورة مُجمّلة وواقع مُقلق المسكوت عنه في الأمن الأسري


د. حسين سالم السرحان
26-04-2026 01:19 PM

لم تعد جرائم العنف الأسري لدينا حوادث معزولة تُفاجئ المجتمع بين حين وآخر، بل أصبحت نمطًا متكررًا يكشف خللًا عميقًا في بنية الحماية الاجتماعية.

ومع كل جريمة تهز الرأي العام، تتكرر الاستجابة ذاتها: غضب عارم، مطالبات بتشديد العقوبات، ووعود بالمحاسبة، ثم سرعان ما يخفت الصوت ويعود كل شيء إلى ما كان عليه، إلى أن تقع الجريمة التالية. هذه الدائرة المغلقة لم تعد تعكس فقط عجزًا في المواجهة، بل تكشف عن خلل في فهم طبيعة المشكلة ذاتها.

المقاربة السائدة تختزل الأزمة في الجاني، فيُلقى القبض عليه، وتُطالب الأصوات الغاضبة بأقسى العقوبات بحقه، وكأن الردع وحده كفيل بوقف النزيف. لكن هذه النظرة، رغم مشروعيتها الأخلاقية، تبقى قاصرة؛ لأنها تتجاهل السؤال الأهم:

لماذا تتكرر هذه الجرائم؟ الحقيقة التي نتجنب مواجهتها هي أننا لا نعالج الأسباب، بل نعيد إنتاجها بصمت وسط ضياع حقوق الضحايا،

في بلد يضم عددًا كبيرًا من المؤسسات والجهات المعنية بشؤون الأسرة، كان من المفترض أن تكون النتائج مختلفة. إلا أن الواقع يشير إلى تصاعد مقلق في مؤشرات العنف الأسري، وإلى غياب واضح للشفافية في عرض الأرقام الحقيقية، مما يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي والصورة الفعلية على الأرض.

تعدد الجهات لم يتحول إلى قوة فاعلة، بل إلى حالة من تشتت المسؤولية وغياب السياسات الوقائية والعلاجية حيث تضيع الأدوار بين المؤسسات دون أثر ملموس يُذكر.

غالبًا ما يتم تبسيط دوافع هذه الجرائم بإرجاعها إلى ضعف الوازع الديني أو تعاطي المخدرات أو الانحراف السلوكي، وهي عوامل موجودة بلا شك، لكنها لا تمثل إلا جزءًا من الصورة. بينما يتم تجاهله أكثر خطورة وعمقًا، ويتمثل في الإحباط الاقتصادي والاجتماعي، والتفكك الأسري، وتآكل منظومة القيم داخل الأسرة، إضافة إلى الارتفاع المقلق في الاضطرابات النفسية، وغياب برامج وقاية حقيقية قائمة على أسس علمية، فضلًا عن ضعف منظومة التدخل المبكر والرعاية اللاحقة.

الجريمة هنا ليست لحظة طارئة، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال المؤسسي والاجتماعي.

الإعلام، بدوره، يساهم في تكريس هذا النمط، إذ يشتعل حضوره عند وقوع الجريمة، فيغطي الحدث بكثافة ويواكب تفاصيله المثيرة، لكنه سرعان ما ينصرف إلى قضايا أخرى دون متابعة جادة أو تحقيق معمق في الأسباب والدوافع. وهكذا يتحول الألم الإنساني إلى مادة خبرية مؤقتة، بدل أن يكون مدخلًا حقيقيًا للإصلاح والضغط من أجل التغيير.

أما المؤسسات الدينية، من مسجد وكنيسة، فرغم دورها المحوري، إلا أن خطابها في هذا السياق غالبًا ما يبقى في إطار الوعظ العام، غير المتخصص، الذي لا يلامس التعقيدات النفسية والاجتماعية الحديثة.

الحاجة اليوم ليست فقط إلى التذكير بالقيم، بل إلى خطاب واعٍ ومتكامل، يتقاطع مع علم النفس والاجتماع، ويقدم حلولًا عملية تتجاوز العموميات.

ويظل التعليم الغائب الأكبر عن هذا المشهد، إذ لا تزال المدرسة والجامعة بعيدتين عن أداء دورهما الحقيقي في بناء مهارات الحياة، مثل إدارة الغضب، وحل النزاعات، والتربية الأسرية، والتواصل الفعّال. والنتيجة أن أجيالًا كاملة تدخل الحياة دون أدوات حقيقية للتعامل مع الضغوط، فتتحول الأزمات إلى انفجارات داخل الأسرة.

أما مؤسسات المجتمع المدني، فعلى الرغم من كثرتها، إلا أن تأثيرها يبقى محدودًا بسبب موسمية المبادرات، وضعف التنسيق، وغياب التقييم الجاد للنتائج. المشكلة لم تعد في قلة الجهود، بل في غياب الاستدامة والاعتماد على العمل المؤسسي المبني على الأدلة.

الصورة العامة التي يتم الترويج لها عن الأمن الاجتماعي، بوصفه حالة مستقرة ومطمئنة، لم تعد منسجمة مع الواقع. فالأمن لا يُقاس فقط بغياب الجريمة في الشارع، بل أيضًا بمدى الأمان داخل الأسرة نفسها. وعندما يصبح البيت مصدر خطر، فإن مفهوم الأمن بحاجة إلى مراجعة حقيقية وشجاعة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد خلل عابر، بل مؤشر واضح على فشل منظومة الوقاية. والاستمرار في إنكار ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من التكرار المؤلم للمشهد ذاته. المطلوب ليس ردود فعل آنية، بل مراجعة جذرية، تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، وتمر عبر الشفافية في البيانات، وربط السياسات بالبحث العلمي، وتفعيل المساءلة، وصولًا إلى بناء استراتيجية وطنية متكاملة للأمن الأسري.

لسنا أمام أزمة جرائم فقط، بل أمام أزمة وعي وفهم. وما لم نواجه هذه الحقيقة بوضوح، ستبقى كل جريمة جديدة مجرد رقم يُضاف إلى سجل طويل من التجاهل.

ننتظر من الحكومة ومجلس الأمة والإعلام والتعليم ووزارة الأوقاف والتنمية الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني ومجلس شؤون الاسرة والامن العام والقضاء عقد ملتقى وطني شامل لمناقشة هذه الآفة التي اصبحت مرعبة في مجتمعنا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :