الناقل الوطني: مشروع استراتيجي يعيد رسم معادلة الأمن المائي
د. جعفر النسور
26-04-2026 02:44 PM
في بلدٍ يرزح تحت وطأة عجز مائي مزمن، ويقف في مقدمة الدول الأفقر مائيًا على مستوى العالم، لا يختلف اثنان على الأهمية الاستراتيجية لمشروع الناقل الوطني، ولا على جرأة القرار السيادي بالمضي فيه. فملف المياه في الأردن لم يعد يُدار كخدمة عامة أو أزمة طارئة، بل تحوّل إلى عامل بنيوي يرسم حدود النشاط الاقتصادي ويؤثر مباشرة في مسار التنمية الشاملة.
الأهمية هنا لا تتوقف عند سدّ العجز المتزايد في المياه، بل تتجاوزه إلى محاولة الانتقال من إدارة النقص إلى بناء أمن مائي مستدام، بوصفه ركيزة من ركائز الاستقرار الاقتصادي والوطني. فالمياه في في هذه الحالة لم تعد موردًا فقط، بل شرطًا مباشرًا لاستمرار الإنتاج في الصناعة والزراعة والخدمات، وبالتالي محددًا رئيسيًا لمسار التنمية.
يُنظر إلى المشروع باعتباره واحدًا من أضخم الاستثمارات الرأسمالية في تاريخ المملكة ، بكلفة تقارب 5.8 مليار دولار، وبصيغة تقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وهنا لا يعود السؤال مرتبطًا بحجم الكلفة فقط، بل بمدى القدرة على تبريرها ضمن حسابات الكلفة البديلة: ماذا لو استمر الوضع الحالي دون تدخل؟
الإجابة لا تتوقف عند حدود الأرقام المباشرة، فاستنزاف المياه الجوفية، وتراجع معدلات الأمطار، ومحدودية التوسع في الإنتاج الزراعي، وما ينتج عنه من تنامٍ في الاعتماد على استيراد الغذاء، إضافة إلى ما يتركه ذلك من آثار على قطاعات الصناعة والسياحة والخدمات المختلفة وجذب الاستثمارات المرتبطة بها، تمثل جميعها كلفًا تراكمية صامتة تتزايد مع الوقت، وقد تتجاوز في مجموعها كلفة المشروع ذاته. ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى المشروع كعبء إنفاقي إضافي، بل كخيار استراتيجي للحد من خسائر ممتدة، واستثمار وقائي في مواجهة تآكل الموارد.
وبهذا المعنى، لا يبدو المشروع خيارًا ترفيًا أو استثماريًا تقليديًا، بل أقرب إلى “تكلفة لتجنب خسائر أكبر”، أو ما يمكن وصفه اقتصاديًا بأنه استثمار وقائي يهدف إلى الحد من نزيف اقتصادي مستمر، وبالتالي، فإن جدواه لا تُفهم من خلال كلفته المباشرة فقط، بل من خلال ما يمنعه من خسائر مستقبلية على مستوى الأمن الغذائي، والاستقرار الاقتصادي، واستدامة النمو.
وعلى مستوى الأثر التنموي ، يتوقع أن يسهم المشروع في خلق آلاف فرص العمل المباشرة خلال مرحلة الإنشاء، إلى جانب فرص غير مباشرة مرتبطة بالأنشطة الاقتصادية المصاحبة. كما أن امتداد البنية التحتية من العقبة باتجاه عمّان يفتح المجال أمام إعادة توزيع بعض المكاسب التنموية نحو محافظات تعاني أصلًا من محدودية الاستثمار وارتفاع البطالة، ما يمنحه بعدًا جغرافيًا في العدالة التنموية .
ويحمل المشروع توجهًا واضحًا نحو دمج الطاقة المتجددة، عبر الاعتماد على الطاقة الشمسية لتغطية نحو 30% من احتياجاته التشغيلية، خصوصًا في المناطق الجنوبية ذات الوفرة العالية في الإشعاع الشمسي، وهو ما يساهم في تقليل كلف التشغيل وتعزيز استدامة المشروع على المدى الطويل، ولو جزئيًا.
لكن في المقابل، لا يمكن قراءة المشروع بمعزل عن التحديات المالية. فمساهمة الحكومة بنحو 722 مليون دولار عبر الموازنة والقروض الميسّرة تعني التزامًا ماليًا مباشرًا ينعكس على الإنفاق الرأسمالي، بما قد يؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات بين قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، الأمر الذي يفرض إدارة دقيقة لأولويات الدولة في مرحلة شديدة الحساسية ماليًا.
كما أن نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، رغم أهميته في توزيع العبء التمويلي، لا يلغي المخاطر بقدر ما يعيد ترتيبها.
فالتجربة الأردنية في بعض المشاريع الاستراتيجية السابقة تُظهر أن أي خلل في العقود أو توزيع المخاطر قد يتحول لاحقًا إلى كلفة إضافية على الدولة، سواء ماليًا أو قانونيًا.
ويظل ملف التسعير من أكثر النقاط حساسية، مع تقديرات تشير إلى أن سعر المتر المكعب قد يبدأ عند حدود 2.7 دولار، مع احتمالات ارتفاعه مستقبلًا بفعل التضخم وكلف التشغيل. هنا تقف الحكومة أمام معادلة دقيقة: حماية القدرة الشرائية للمستهلك من جهة، وضمان استدامة الجدوى المالية للمشروع من جهة أخرى.
كما يشكّل عامل الزمن بُعدًا إضافيًا من التحدّي؛ فامتداد تنفيذ المشروع وتشغيله لما يقارب 26 عامًا يجعله رهينة لتقلبات أسعار الطاقة وتكاليف التمويل والمدخلات، إلى جانب التحولات في الاقتصاد العالمي، وهو ما يعمّق حالة عدم اليقين حول كلفته النهائية.
لا يبدو التحدي الحقيقي في إنشاء المشروع بحد ذاته، بل في إدارة توازناته: بين الحاجة الملحّة للمياه، وكلفة توفيرها، وحدود المخاطر المالية والاقتصادية. فنجاح الناقل الوطني لن يُقاس فقط بحجم المياه التي يضخها، بل بقدرته على تحويل الأمن المائي من عبء ضاغط إلى منظومة مستدامة قابلة للاستمرار.