كيف تحوّلت الصهيونية المسيحية من إيمان إلى مشروع قوة يتجاهل أصحاب الأرض؟
سمير حمدان - بودابست
27-04-2026 12:23 PM
* من يصادر المسيحية باسمها
لم يكن التحول مفاجئًا، بل بطيئًا إلى درجة أنه مرّ دون ضجيج، حين تغيّر معنى الإيمان من رسالة أخلاقية إلى أداة تفسير للواقع، ثم إلى وسيلة لإعادة تشكيله، ومن هنا بدأت الصهيونية المسيحية، لا كتيار ديني تقليدي، بل كقراءة للنص نقلته من فضاء التأمل إلى فضاء القرار.
في إنجلترا البروتستانتية خلال القرن السابع عشر، ظهرت فكرة عودة اليهود إلى فلسطين كجزء من تصور ديني لعودة المسيح، لم تكن مرتبطة بمشروع سياسي، لكنها حملت تحولًا عميقًا، إذ أعادت تعريف الأرض، لم تعد مكانًا يعيش فيه الناس، بل جزءًا من معنى يتجاوزهم، وهنا بدأت الجغرافيا تفقد حيادها.
مع القرن التاسع عشر، تبلورت هذه الرؤية بشكل أوضح مع جون نيلسون داربي، الذي أعاد صياغة العلاقة بين الزمن والدين، ووضع إسرائيل في مركز هذا التصور، لا كدولة عادية، بل كمرحلة ضمن مسار أكبر، وهنا لم يعد الدين يشرح العالم فقط، بل يحدد اتجاهه.
في المقابل، كان تيودور هرتزل يطرح مشروعًا سياسيًا حديثًا لدولة يهودية، ووجد تقاطعًا غير مباشر مع هذه الرؤية، حيث التقت الحاجة إلى الشرعية مع الحاجة إلى التحقيق، فتعزز كل مشروع بالآخر دون أن يندمج فيه، لتنشأ علاقة معقدة بين تصور ديني ومشروع سياسي.
الدور البريطاني منح هذا التقاطع بعدًا عمليًا، إذ أدركت الإمبراطورية قيمة الفكرة واستخدمتها ضمن حساباتها، وهنا يظهر آرثر جيمس بلفور، الذي أصدر وعده عام 1917، كقرار يجمع بين المصلحة والرمز، حيث أُعطي الفعل السياسي بعدًا يتجاوز منطقه المباشر.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع انتقال مركز القوة إلى الولايات المتحدة، تحولت الصهيونية المسيحية إلى تيار اجتماعي واسع داخل الكنائس الإنجيلية، وأصبح دعم إسرائيل جزءًا من التدين اليومي، لا مجرد موقف سياسي، وهنا ترسخت الفكرة في الوعي العام ودخلت المجال السياسي بقوة.
شخصيات مثل جيري فالويل وبات روبرتسون نقلت هذا التصور إلى المجال العام، حتى أصبح عنصرًا مؤثرًا في الانتخابات، وضغطًا مباشرًا على صناع القرار، ما جعل الفكرة جزءًا من بنية السياسة، لا مجرد رأي داخلها.
مع هذا التحول، تغيّر معنى السياسة، لم تعد قائمة على المصالح فقط، بل على قناعات دينية تمنح القرارات شرعية إضافية، وهذا ما أعطى الصهيونية المسيحية تأثيرها، لأنها لا تُطرح كخيار، بل كقناعة يصعب تجاوزها أو نقدها.
في عهد دونالد ترامب، تجسدت هذه العلاقة بوضوح، خاصة في قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو قرار يعكس تداخلاً بين الرؤية السياسية والتصور الديني، حيث يصبح الفعل جزءًا من قصة أوسع تتجاوز حدود اللحظة.
لكن خلف هذا المسار، يبرز تناقض لا يمكن تجاهله، بينما أسهمت الصهيونية المسيحية في تعزيز الدعم لإسرائيل دوليًا، كانت المجتمعات المسيحية في فلسطين تتراجع، يتناقص عددها ويضعف حضورها في ظل واقع معقد لا يحظى بالاهتمام نفسه، رغم أنها جزء أصيل من تاريخ المكان.
وتشير تقديرات كنسية وبحثية إلى أن نسبة المسيحيين في فلسطين التاريخية انخفضت من نحو عشرة في المئة قبل قرن إلى أقل من اثنين في المئة اليوم، نتيجة الهجرة والضغوط، وهو ما يعكس فجوة بين الخطاب الداعم والواقع.
هذه المفارقة لا تتعلق بالسياسة فقط، بل بطبيعة الفكرة نفسها، فعندما يتحول الدين إلى أداة تبرير، يفقد جزءًا من وظيفته الأخلاقية، ويصبح عنصرًا ضمن توازنات القوة، بدل أن يكون مرجعية تحاسبها.
من هذا المنظور، لا تبدو الصهيونية المسيحية مجرد تيار ديني، بل ظاهرة أعادت تشكيل بعض ملامح القرار الغربي، ودفعت نحو قراءة للصراع تقوم على تداخل عميق بين العقيدة والمصلحة، وهو ما يفسر كثيرًا من القرارات التي يصعب فهمها بمنطق السياسة التقليدية وحدها.
وفي المقابل، يظل التحدي قائمًا أمام استعادة البعد الأخلاقي للدين بعيدًا عن التوظيف السياسي، خاصة في سياق تتزايد فيه الأزمات، ويصبح الإنسان هو المعيار الحقيقي لأي موقف.
وفي عالم تتداخل فيه الروايات، يبقى السؤال مفتوحًا، هل يمكن للإيمان أن يعود قوة مستقلة تحاسب السلطة، أم سيبقى جزءًا من معادلاتها، حيث تُصاغ القرارات بلغة المصالح، وتُبرر بلغة العقيدة .