حين يُحاصَر العقل: التعليم العربي بين منطق السوق وفقدان المعنى
أ. د. هاني الضمور
28-04-2026 12:58 AM
لم تعد أزمة التعليم في الوطن العربي محصورة في التلقين أو ضعف المناهج، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث يُعاد تشكيله تدريجيًا وفق منطق السوق. لم يعد السؤال كيف نبني إنسانًا قادرًا على التفكير، بل كيف نُخرّج فردًا قابلًا للاستخدام. هذا التحول الهادئ في فلسفة التعليم يبدو في ظاهره تحديثًا، لكنه في عمقه يعيد تعريف المعرفة ذاتها.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت الدعوات لربط التعليم بسوق العمل، وهي فكرة تبدو منطقية للوهلة الأولى. لكن الإشكال لا يكمن في الربط بحد ذاته، بل في اختزال التعليم في هذا الربط. حين تصبح قيمة المعرفة مرهونة بمدى طلبها في السوق، يتحول التعليم من مشروع إنساني لبناء الوعي إلى عملية إنتاج مهارات سريعة الاستهلاك. وهنا يفقد العقل وظيفته الأساسية كأداة للفهم، ويتحول إلى أداة أداء فقط.
هذا التوجه لا يأتي بمعزل عن تأثير رأس المال، الذي يسعى بطبيعته إلى تعظيم الربح وتقليل المخاطر. في ظل هذا المنطق، يتم الدفع نحو مناهج تُخرّج موظفين جاهزين، لا مفكرين مستقلين، ويتم تفضيل التخصصات التي تخدم السوق مباشرة على حساب العلوم الإنسانية والفكرية التي تُنمّي الوعي النقدي. ومع الوقت، تتقلص مساحة التساؤل لصالح التدريب، ويتراجع دور التعليم كمساحة للتفكير الحر.
الأخطر من ذلك أن هذا التحول يُقدَّم على أنه “تطوير” و”مواكبة للعصر”، بينما هو في كثير من الأحيان إعادة توجيه للتعليم ليخدم مصالح محددة. يتم تعديل المناهج بما يتوافق مع احتياجات الشركات، لا مع احتياجات المجتمع، ويُعاد تعريف النجاح الأكاديمي وفق معايير التوظيف، لا وفق القدرة على الفهم والتحليل. وهكذا يُعاد تشكيل وعي الأجيال بطريقة تجعلهم أكثر قابلية للاندماج في النظام القائم، وأقل قدرة على مساءلته.
في هذا السياق، يتراجع دور المدرسة والجامعة كمؤسسات تُنتج المعرفة، لتصبح منصات إعداد وظيفي. يُختزل دور المعلم في تدريب الطلبة على مهارات محددة، ويُختزل دور الطالب في اكتساب ما يؤهله للوظيفة، لا ما يُمكّنه من فهم العالم. ومع مرور الوقت، يُصبح التفكير خارج هذا الإطار نوعًا من الترف، أو حتى مخاطرة غير محسوبة.
لا يعني هذا أن سوق العمل عدو للتعليم، ولا أن الاقتصاد يجب أن يُفصل عن المعرفة، لكن الخطورة تكمن في اختلال التوازن. حين يهيمن السوق على التعليم، يفقد الأخير استقلاله، وتُختزل قيمته في نفعه المباشر. بينما التعليم في جوهره أوسع من ذلك بكثير، لأنه يُشكّل الإنسان قبل أن يُؤهله للعمل، ويُنمّي وعيه قبل أن يُدرّبه على المهارة.
التجارب التي نجحت لم تُلغِ العلاقة بين التعليم والسوق، لكنها لم تسمح لها بأن تكون علاقة هيمنة. حافظت على مساحة للفكر، واعتبرت العلوم الإنسانية جزءًا أساسيًا من تكوين الإنسان، وأدركت أن الابتكار الحقيقي لا يأتي من عقول مُدرَّبة فقط، بل من عقول حرة قادرة على الربط والتساؤل وتجاوز المألوف.
في الواقع العربي، يتزامن هذا التحول مع بيئة تعليمية تعاني أصلًا من ضعف في ترسيخ التفكير النقدي، ما يجعل تأثيره أكثر حدة. حين يُضاف منطق السوق إلى منظومة قائمة على التلقين، تكون النتيجة جيلًا مُقيّدًا من جهتين: لا يمتلك أدوات التفكير العميق، ولا يُمنح فرصة لتطويرها، لأنه مُوجَّه منذ البداية نحو مسار وظيفي ضيق.
أخطر ما في هذا المسار أنه لا يُنتج فقط خللًا في التعليم، بل يُعيد تشكيل الإنسان نفسه. إنسان يُقاس بقيمته الإنتاجية، لا بوعيه، ويُقيَّم بقدرته على التكيّف، لا بقدرته على التغيير. وهنا تتحول المعرفة من وسيلة للتحرر إلى أداة للاندماج، ومن قوة للنقد إلى مهارة للاستخدام.
إعادة التوازن تبدأ بإعادة طرح السؤال الأساسي: لماذا نُعلّم؟ إذا كان الجواب هو تلبية احتياجات السوق فقط، فنحن نُفرغ التعليم من معناه. أما إذا كان الهدف بناء إنسان قادر على الفهم والعمل معًا، فإن العلاقة مع السوق يجب أن تبقى جزءًا من الصورة، لا أن تتحول إلى الصورة كاملة.
المعركة الحقيقية ليست ضد السوق، بل ضد اختزال الإنسان في وظيفة، واختزال التعليم في تدريب. بين هذين الاختزالين تضيع فرصة بناء عقل حر، وهو وحده القادر على أن يُنتج اقتصادًا أقوى، لا أن يُستهلك داخله فقط.