بين حلم الأمة وإصلاح الوطن: قراءة تحليلية في الثورة العربية الكبرى وحركة ابن عدوان
الدكتور عزمي حجرات
29-04-2026 12:37 PM
التاريخ السياسي لا يُقرأ بوصفه مجرد سرد لأحداث مضت، بل هو مختبر حقيقي لفهم كيف تتشكل الدول وتتبلور الهويات. وفي تاريخنا الحديث، تبرز محطتان شكّلتا البنية التأسيسية للمنطقة وللدولة الأردنية؛ الأولى هي الثورة العربية الكبرى (1916)، والثانية هي ثورة البلقاء أو ما يُعرف تاريخياً بـحركة ابن عدوان (1923). ورغم التباين الواضح في الزمان والمكان وحجم الحدث، إلا أن المقارنة بينهما تكشف عن تكامل عميق بين "المشروع القومي" و"الضرورة الوطنية".
عندما أطلق الشريف الحسين بن علي رصاصة الثورة العربية الكبرى، كان النطاق الجغرافي يمتد عبر أرجاء المشرق العربي، وكان الهدف المباشر اصطداماً عسكرياً حاسماً لإنهاء أربعة قرون من الهيمنة العثمانية. لم تكن تلك الثورة تبحث عن إصلاحات إدارية، بل كانت قومية استقلالية بامتياز؛ سعت إلى تأسيس كيان عربي موحد ومستقل، وانتزاع اعتراف دولي بحق العرب في تقرير مصيرهم. ورغم أن التدخلات الاستعمارية أجهضت الحلم الوحدوي الكبير، إلا أن الثورة نجحت في إرساء القواعد الأولى للكيانات السياسية العربية الحديثة.
في المقابل، وبعد تأسيس إمارة شرق الأردن، جاءت حركة ابن عدوان عام 1923 لتمثل صوتاً مختلفاً تماماً. لم تكن هذه الحركة مدفوعة بأيديولوجيا حزبية عابرة للحدود، بل قادتها زعامات عشائرية تقليدية، وعلى رأسهم الشيخ سلطان باشا العدوان، مستندة إلى قاعدة شعبية واسعة.
كانت مطالب الحركة شعبية وطنية إصلاحية بامتياز. لقد رُفع شعار الأردن للأردنيين كرفض قاطع لهيمنة "حزب الاستقلال" واستئثار قياداته (التي كانت في معظمها غير أردنية) بمفاصل الإدارة والقرار. لم تكن غاية الحركة إسقاط الدولة الناشئة، بل إصلاح مسارها الداخلي؛ عبر تخفيف العبء الضريبي عن الفلاحين، وتأسيس مجلس نيابي يضمن المشاركة السياسية الحقيقية لأبناء البلاد في بناء وطنهم.
إذا كانت الثورة العربية الكبرى قد منحت الدولة إطارها الجغرافي والسياسي والشرعية التاريخية، فإن حركة ابن عدوان وما تلاها من أحداث قد ساهمت في صياغة العقد الاجتماعي الداخلي. فرغم إخماد الحركة عسكرياً، أثبتت القيادة السياسية حنكة بالغة حين أصدر الأمير عبدالله الأول عفواً عاماً أعاد دمج هذه الزعامات في نسيج الدولة.
لقد أثمرت تلك المطالب الشعبية لاحقاً عن تحجيم نفوذ الإدارة الحزبية الوافدة، والبدء في الاعتماد على الكفاءات الوطنية الأردنية، وصولاً إلى إصدار القانون الأساسي (الدستور) وتأسيس أول مجلس تشريعي، لينتقل العمل السياسي من ساحة الاحتجاج إلى قبة المؤسسات.
ختاماً، إن قراءة هاتين المحطتين تضعنا أمام استنتاج دقيق: لقد تأسس كياننا الحديث على توازن دقيق بين ثورة قومية استقلالية رسمت الحدود وصنعت الكيان، وحركة شعبية وطنية إصلاحية أسست للمشاركة، ورسخت الهوية، وضمنت أن يكون لأبناء الأرض الكلمة الأولى في إدارة شؤونها.