لماذا يحتاج الأردن إلى مدرسة سياسية للشباب؟
عماد الشهاب
30-04-2026 08:19 PM
في الأردن، لم تعد أزمة العمل الحزبي تُختزل في ضعف المشاركة أو محدودية العضوية، بل في طبيعة هذه المشاركة نفسها، فالمشكلة لم تعد في غياب الشباب عن المشهد، بل في حضورهم دون أدوات؛ حضورٍ لا يُترجم إلى تأثير، ومشاركةٍ لا ترتقي إلى مستوى صناعة القرار. وهنا تحديدًا، يصبح السؤال أكثر عمقًا: كيف ننتقل من إشراك الشباب في السياسة… إلى تمكينهم من فهمها وصناعتها؟
الإجابة لا تكمن في تعديل القوانين فقط، ولا في زيادة عدد الأحزاب، بل في الاستثمار في “العقل السياسي” ذاته، في بناء وعي منهجي، وهوية واضحة، وقدرة تحليلية تمكّن الشباب من الانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفعل، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تأسيس “مدرسة سياسية” كمبادرة وطنية مدارة من المجتمع المدني مستقلة، عابرة للأحزاب، ومفتوحة لكل الشباب تعمل كمنصة لإعادة تشكيل العلاقة بين الجيل الجديد والسياسة.
يكمن الفرق بين مجتمع يتفاعل مع السياسة، ومجتمع يُنتج سياسيين، بين رد الفعل والفعل، في الحالة الأردنية، ما زلنا في مساحة بين الاثنين، هناك وعي عام، وهناك اهتمام متزايد، لكن ما ينقص هو المسار الذي يحوّل هذا الاهتمام إلى كفاءة.
المدرسة السياسية، بهذا المعنى، ليست برنامجًا تدريبيًا تقليديًا، بل “مختبر وطني” لإنتاج السياسيين، مساحة يتعلم فيها الشباب كيف يفكرون، لا ماذا يقولون فقط. كيف يقرؤون المشهد، لا كيف يرددون مواقفه، وكيف يبنون خطابًا سياسيًا قائمًا على الفهم، لا على الانطباع.
أي بناء حقيقي يبدأ بالتفكيك. وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ “تقنيات الجراحة الذهنية” أي إعادة فحص المعتقدات السياسية التي يحملها الشباب، والتي تشكلت غالبًا دون تمحيص.
كثير من التصورات حول الدولة، الأحزاب، أو حتى مفهوم المشاركة، مبنية على انطباعات أو تجارب غير مكتملة. المدرسة السياسية يجب أن تخلق مساحة نقدية تسمح بتفكيك هذه التصورات، وإعادة بنائها على أسس معرفية، هذا ما تعتمد عليه مؤسسات مثل Harvard Kennedy School، التي تستخدم تحليل الحالات الواقعية لتدريب الطلبة على فهم تعقيد القرار السياسي، الجراحة الذهنية هنا ليست هدفًا بحد ذاته، بل خطوة نحو بناء وعي سياسي مستقل.
بعد التفكيك، تأتي مرحلة البناء وهنا تكمن أهمية “صناعة المعتقد السياسي”. فالمشكلة ليست في اختلاف الآراء، بل في هشاشتها، كثير من المواقف لدى الشباب تتشكل كردود فعل سريعة، لا كقناعات مبنية على فهم، لذلك المدرسة السياسية يجب أن تفتح المجال أمام التعرف على مدارس فكرية متعددة، وتدريب الشباب على النقاش، والتحليل، وبناء الموقف، والهدف ليس إنتاج نسخ متشابهة، بل أفراد يمتلكون قناعاتهم، ويدافعون عنها بوعي.
في هذا السياق، تقدم مؤسسات مثل Friedrich Ebert Stiftung وFabian Society نماذج متقدمة في ربط الفكر السياسي بالواقع، وبناء كوادر قادرة على التأثير.
أحد أبرز التحديات في المشهد الحزبي الأردني هو غياب التمايز والهوية الواضحة، أحزاب كثيرة بخطابات متقاربة، وبرامج عامة، ما يجعلها غير قادرة على التمايز أو جذب الشباب، هنا، تلعب المدرسة السياسية دورًا مركزيًا في بناء الهوية على ثلاثة مستويات: الفردي: مساعدة الشاب على تحديد موقعه الفكري، وفهم أولوياته، الجماعي من خلال تدريب الأفراد على العمل ضمن فرق، وإدارة الاختلاف، المؤسسي من خلال دعم الأحزاب في بلورة هويات واضحة ومتمايزة، قائمة على برامج حقيقية، تجارب مثل Konrad Adenauer Stiftung تُظهر كيف يمكن بناء أحزاب ذات هوية فكرية وتنظيمية متماسكة، قادرة على الاستمرار والتأثير.
وهنا يجدر الذكر انه لا يمكن بناء وعي سياسي دون فهم المسار التاريخي، فالأردن يمتلك تجربة غنية في التنمية السياسية، لكن هذه التجربة غالبًا ما تُقرأ بشكل مجتزأ، لذلك يجب على المدرسة السياسية يجب أن تعيد تقديم هذه المسيرة بشكل منهجي، يربط بين المحطات المختلفة، ويستخلص الدروس، فهم الماضي هنا ليس غاية، بل أداة لتجنب تكرار الأخطاء، وبناء مستقبل أكثر وعيًا، إلى جانب ذلك، يصبح الاطلاع على النظم السياسية والانتخابية عالميًا ضرورة، لا ترفًا. ليس بهدف النسخ، بل لفهم الخيارات، وتوسيع أفق التفكير.
إذا كان المشهد السياسي في الأردن يبدو منظمًا من فوق الطاولة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة ترتيب هذه الطاولة ذاتها في قواعدها، وأدوار الجالسين حولها، وآليات اتخاذ القرار عليها. وهذا يتطلب تحولات متزامنة على ثلاثة مستويات: الأحزاب، والدولة، والشباب.
على مستوى الأحزاب، المطلوب هو الانتقال من إدارة العضوية إلى بناء القيادات. من استدعاء الشباب إلى الاستثمار فيهم.
وعلى مستوى الدولة، يكمن التحدي في خلق بيئة سياسية آمنة ومحفزة، تجعل من العمل الحزبي مسارًا مشروعًا، لا مخاطرة.
أما على مستوى الشباب، وهو الأكثر حسمًا، فإن التحول يبدأ من كسر عقلية الانتظار، والانتقال إلى المبادرة: تشكيل أطر سياسية تعكس طموحاتهم، أو إعادة تشكيل الأحزاب من الداخل، وبناء خطاب واقعي قادر على التأثير.
أحد أهم عناصر نجاح هذه المبادرة هو شموليتها، يجب أن تكون مفتوحة للشباب المنتسبين وغير المنتسبين للأحزاب، فبناء الوعي السياسي لا يجب أن يكون حكرًا على من اتخذ قرار الانخراط، بل متاحًا لكل من يفكر به.
في النهاية، لا يمكن إصلاح السياسة بأدوات تقليدية، ولا يمكن بناء أحزاب قوية دون شباب يمتلكون وعيًا سياسيًا حقيقيًا، “المدرسة السياسية” ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لأنها تعيد تعريف السؤال من: كيف نُشرك الشباب؟ إلى: كيف نُمكّنهم من صناعة السياسة؟، فالمستقبل لن يُصنع فقط في البرلمانات، بل في العقول التي تُهيأ منذ الآن لتجلس على تلك الطاولة… لا لتكمل المشهد، بل لتعيد ترتيبه بالكامل.