الأزمة اجتماعية بظاهرها ثقافية بجذورها
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
30-04-2026 10:21 PM
هنالك ظواهر جديدة على مجتمعنا مثل جرائم غير معهودة و ميل للتذمر و الانشغال بصغائر الامور احيانا. برأيي هي أعراض ازمة ثقافية تراكمت عبر سنوات و آن الاوان للتعامل مع جذورها و ليس أعراضها من منظور فكري و على أساس علمي قابل للتطبيق.
أبدأ كالعادة بشرح الاساس العلمي لننطلق للمقترحات. الانسان بطبعه كائن يصبو للارتقاء من خلال الانجاز و تطوير الذات ليلبي حاجة اجتماعية هي الشعور بالاهمية و التقدير الاجتماعي. لذلك فإن السلوك قولا او فعلا ايجابا او سلبا محكوم بالبحث عن الانتماء و القبول الاجتماعي و المصالح و النفوذ و التي في مجموعها هي القيمة الاجتماعية.
لذلك فإن المحفز لتكرار سلوك او اهماله هو القيم و الاهداف التي ترتبط بالقيمة الاجتماعية فإن كانت العلم وجدنا المجتمع يتنافس في الدراسة الجامعية و العلوم و ان كان المال وجدنا المجتمع في دوامة مادية تسعى للاثراء بشتى الطرق.
من يحدد القيمة التي ترتبط بالقيمة الاجتماعية و بالتالي يشكل البوصلة لثقافة المجتمع و الافراد هي المؤسسات الرسمية الفاعلة فهي القادرة على ربط المنصب و النفوذ و تحسن الدخل و التي تصعد الفرد ماديا و معنويا في السلم الاجتماعي.
في مرحلة الثمانينيات كان العلم و الشهادات الجامعية هي القيمة للوصول للمنصب و الدخل الاعلى و الوظائف اي الحصول على الاحترام الاجتماعي فإنفجر المجتمع كالبركان طلبا للعلم و التنافس. تلى ذلك ربط القيمة الاجتماعية من خلال المؤسسات الفاعلة بقصد او بدون قصد بالنموذج المدني و الاقتصاد كنتاج لتأثير الليبرالية الديموقراطية فازدهرت السياحة العلاجية و استقطاب طلبة الجامعة من الخارج. بدأ الخلل برأيي مما سمي الربيع العربي عندما اختلت البوصلة فاصبحت المعارضة و التوبة منها هي المدخل للمناصب و الوظائف المهمة و تحسين الدخل فاصبحت القيمة الاجتماعية مرتبطة بوجود قدر من المعارضة و التذمر و هذه اوصلت عدد من راكبي تلك الموجة معارضة او مؤلفة قلوبهم بعد تغيير الخنادق نتيجة فشل مشروع الفوضى او ما سمي بالربيع العربي. برأيي هذه المرحلة همشت المنتمين و الموالين الحقيقيين لصالح مجموعات من الانتهازيين فتراجع دورهم و تأثير النخب في الشارع و المجتمع.
تلى ذلك مرحلة خطيرة و هي اجتماعيا و ليس سياسيا ثنائية الدولة و تيارات فكرية اهمها الاخوان قدم كل منهم نموذجه للمجتمع لربط القيمة الاجتماعية. برايي ان الحكومة اختارت الولاء المطلق (القابل للانقياد بلا مقاومة) على الكفاءة و الولاء الحقيقي فانتقلت الكثير من المؤسسات من فكر القائد الى فكر تصريف الاعمال او المدير. الخطورة في ذلك انها افرزت طبقة تنظر للوصول للكرسي و الحفاظ عليه باعتباره الانجاز و هذا يستدعي عدم التغيير او الابداع و التسلسل بالاضعف فالأضعف. هذا مقارنة بما كانت عليه الاردن قبل الربيع العربي بفكر القائد للمؤسسات بالتالي فإن التميز بالتفكير الابداعي و التطور و التقدم في سلم المنافسة الاقليمية و الخارجية و ليس ادل على ذلك من التنافس الحاد في حينه بين الجامعات للتحسين لتتقدم بالتصنيفات العالمية.
بالمقابل فإن الفكر المناكف انكفأ لشرنقته القديمة الجديدة و هي المظلومية و التسلل الاعلامي للفراغ الاجتماعي فقدم و لمع شخصياته باعتبارها منقذا محتملا في الاقتصاد و القضايا المجتمعية و بذلك غسل تسببه بالمشكلة خلال ما سمي الربيع العربي.
الملخص هنا ان بوصلة القيمة الاجتماعية الجديدة ابعدت النخب العلمية و الفكرية و الكفاءات و فتحت المجال لمحدودي القدرات ان يتصدروا المشهد و غابت العمق الثقافي بالتالي فتح المجال للعنف و رفض الاخر و الاستعراض كبديل عن العمل و النمطية بديل عن الابداع.
لقد تجلى التسطيح الثقافي في موقف نسبة من الشعب مع روايات الولائيين كبديل للسردية الوطنية القائمة على حماية الاجواء و السيادة الوطنية.
أما طريق الحل لهذه الازمة الثقافية الاجتماعية فهي اعادة ربط القيمة الاجتماعية بالرقي و الانجاز و الانتماء للاردن و الولاء لقيادتة الهاشمية و العمل الجاد و الالتزام و تطوير المؤسسات اي اعادة النخب الفكرية الوطنية العلمية الى الواجهة و تعزيز السردية الوطنية .
هذا يحتاج رؤية و برنامج متكامل يحدد بوصلة التقدير الاجتماعي و يربطه بالاعتدال و السلوك الحسن و احترام القيم و الاعراف و الوطنية. هي معركة ثقافية اجتماعية تبدأ من سردية وطنية تعزز الشعور بالفخر و الكرامة و توعية باهمية الانتماء الحقيقي للاردن و المحافظة عليه بدون طمع بمغنم و التوعية باهمية ثنائية الهوية الاردنية و الرسالة الهاشمية كأساس لقوة الاردن و استقراره.