هل يهدأ الشرق الأوسط لو تفاهمت لندن وواشنطن؟
داود عمر داود
01-05-2026 12:12 PM
العلاقات البريطانية – الأمريكية جذور معقّدة:
عندما سعت بريطانيا إلى إقناع الولايات المتحدة بالانضمام إلى الحرب العالمية الثانية، اضطر رئيس وزرائها آنذاك، ونستون تشرشل، إلى زيارة واشنطن للقاء الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت. لم تكن تلك الزيارة مجرد لقاء سياسي، بل كشفت عن طبيعة العلاقة المركّبة بين البلدين، علاقة تجمع بين الإرث التاريخي والتنافس المستتر.
فبريطانيا كانت تنظر إلى الولايات المتحدة بوصفها مستعمرة سابقة كان يمكن أن تبقى ضمن التاج البريطاني، على غرار كندا، لولا الثورة الأمريكية عام 1776، التي وضعت حداً لذلك الارتباط.
الصورة الذهنية المتبادلة:
ذهب تشرشل إلى واشنطن وهو يحمل تصوراً تاريخياً مفاده أنه يطلب الدعم من “ابنة الامبراطورية”، التي يفترض أن تقف إلى جانب “الأم” في لحظة ضعف. إلا أن الواقع كان مختلفاً، فقد وجد نفسه في موقع الطالب لا الشريك، يستجدي الدعم العسكري في مواجهة ألمانيا النازية.
في ذلك الوقت، كانت بريطانيا تواجه خطراً وجودياً، إذ بدا أن أدولف هتلر قد يحتل لندن كما احتل باريس عام 1940. ومع نهاية عام 1941، أدركت انجلترا أنها عاجزة عن مواجهة ألمانيا بمفردها، كما عجزت فرنسا وسقطت بيد "هتلر".
تشرتشل إلى روزفلت: "إني لأعلم أنكم ورثة الامبراطورية":
كانت تلك هي أجواء وظروف زيارة تشرتشل إلى أمريكا، فقد ذهب إلى هناك لأن بلاده تواجه تهديداً وجودياً، لذلك كان على استعداد لدفع أي ثمنٍ، مهما كان لوقوف أمريكا بجانبه، كي يحفاظ على كيان بلاده. فالأمر كان بالنسبة للانجليز مسألة حياة أو موت. وعليه عندما طرح "تشرتشل" طلباته لم يضع الرئيس الأمريكي شروطاً تعجيزية، بل وضع شروطاً قاسية جداً، ما كان يقبلها "تشرتشل" لولا ظروفٍ الحرب.
إذ فرض "روزفلت" قيوداً سياسية واقتصادية لضمان مصالح بلاده قبل أن تدخل الحرب فعلياً، تمثلت في ضمانات سياسية، مثل ميثاق الأطلسي لإنهاء الاستعمار، وتنازل بريطانيا لمدة 99 عاماً عن قواعد استراتيجية، في بحر الكاريبي ونيوفاوندلاند، مقابل حصولها على 50 مدمرة أمريكية قديمة.
والأهم أن شروط "روزفلت" استهدفت "تفكيك النظام الامبراطوري البريطاني" لصالح نظام تجاري حر تقوده الولايات المتحدة، يضمن خروج أمريكا من الحرب كقوة عظمى.
وفي ختام لقاء الزعيمين، نظر "تشرتشل" إلى "روزفلت" قائلاً جملته الشهيرة بألمٍ وحزن: "إني لأعلم أنكم ورثة الامبراطورية". وهو مدركٌ تماماً أن أمريكا سترث ممتلكات بريطانيا العظمى، آجلاً أم عاجلاً.
بداية التوسع الأمريكي في العالم على حساب بريطانيا:
وهكذا كان، فبعد الحرب أخذت الولايات المتحدة تتصرف وكأنها وريثة بريطانيا فعلاً، وأصبح الأمريكيون ينافسون الإنجليز على النفوذ والثروات في مستعمراتهم في كل مكان. ومع مرور الوقت، سيطروا على الجزء الأكبر منها، لأن بريطانيا لم تعد تلك القوة الاستعمارية الضاربة التي كانت قبل الحرب.
وجاءت آخر محاولة أمريكية لابتلاع ممتلكات بريطانيا، مؤخراً، عندما أعلن "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب" أنه يريد ضم كندا، درة التاج البريطاني، إلى بلاده لتصبح الولاية الواحدة والخمسين.
إذن نجد أن شكل العلاقة بين بريطانيا وأمريكا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لغاية اليوم علاقةٌ تنافسية، وصراع دائم، وخصومة، وتضارب مصالح، وخلافات، ونزاعات وتوترات منها ما هو ظاهر للعيان ومنها ما هو خفي. وقد اصطدم الجانبان مراراً وتكرراً، وما زالا، من خلال حروب بالوكالة، خاصةً في منطقة الشرق الأوسط، عبر العقود الثمانية الأخيرة. ومن هنا تجيء زيارة "الملك تشارلز" إلى واشنطن في محاولة لرأب الصدع بينهما، وتجنب مزيدٍ من التصادم مع الولايات المتحدة.
ورغم ما يوصف بـ“العلاقة الخاصة” بين البلدين، فإنها ظلت، في جوهرها، مزيجاً من التعاون والتنافس، بل والصراع غير المباشر، خاصة في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط.
محاولة بريطانية أمريكية لاحتواء التوتر بينهما:
استغل الإنجليز احتفال أمريكا بمرور 250 عاماً على استقلالها عن بريطانيا كي يقوم الملك تشارلز بزيارة واشنطن، في محاولة واضحة لخفض تصعيد الصراع الأنجلو - أمريكي، بتهدئة حملة الرئيس ترامب على بلاده، وعلى أوروبا عموماً، من خلال وضع بعض النقاط على الحروف، وتبيان فضل بلاده في نشوء الحضارة الأمريكية. كما حاول "الملك تشارلز" تغيير اتجاه بوصلة السياسة الأمريكية نحو روسيا باعتبارها عدوهما المشترك، حين أشار إلى حرب أوكرانيا.
وهكذا كان البند الأهم في جدول زيارته، خطابه أمام الكونغرس الأمريكي. حيث وجه للأمريكيين عتاباً تاريخياً غير مسبوق على مواقفهم حيال بريطانيا، بجمل مقتضبة حملت معانىٍ كبيرة، مررها بروحٍ من الدعابة والفكاهة.
عتاب تاريخي مبطن مغلف بروح الدعابة:
شمل خطاب ملك بريطانيا نقاط عتابٍ كثيرة أهمها حديثه عن عدم وجود لغة مشتركة للتفاهم بينهما، بقوله: "كلُ شيء مشتركٌ بيننا وبين الولايات المتحدة، هذه الأيام، باستثناء اللغة".
كما انتقد التصرف الأمريكي باختطاف الرئيس الفنزويلي "مادورو" قائلاً: "كما تعلمون عندما أخاطب برلماني، في وستمنستر، ما زلنا نتبع تقليداً قديماً ونأخذ أحد أعضاء البرلمان رهينة، ونحتجزه في قصر باكنغهام حتى أعود سالماً". ثم أشار إلى استمرار احتجاز "مادورو" بقوله: "في هذه الأيام، نعتني بضيوفنا جيداً، لدرجة أنهم لا يرغبون في المغادرة".
كما بعث "الملك تشارلز" برسالة مفادها عدم وجود نية لدى بلاده لاستعادة مستعمرتها القديمة قائلاً: "أرجو أن تطمئنوا، سيداتي وسادتي، أنني لست هنا كجزء من مناورة ذكية متأخرة مدة 250 عاماً، أو كما نقول في المملكة المتحدة، منذ أيام قليلة فقط".
ثم وصف الثورة الأمريكية بالخيانة لانها أطاحت بحكم الانجليز لأمريكا، مستخدماً قصة معروفة في الأدب الإنجليزي تتعلق بشقيقة زوجة الروائي "تشارلز ديكنز" التي سلبت قلبه فطلق أُختها ليقترن بها. وكأن لسان حال الملك يقول: إن المهاجرين الذين انتقلوا للعيش في أمريكا خانوا بريطانيا حين قاموا بثورتهم. والغريب أن أعضاء الكونغرس صفقوا لخطاب "الملك تشارلز"، وتقبلوا القصة بروح الدعابة.
الخلاصة: هل تشهد منطقتنا فترة هدوء لو تفاهمت أمريكا وبريطانيا؟:
الإجابة ليست بسيطة. فالصراعات في المنطقة لا ترتبط فقط بالتنافس الأنجلو – أمريكي، بل تتداخل فيها عوامل إقليمية ودولية متعددة. ومع ذلك، فإن أي تقارب بين لندن وواشنطن قد يخفف من حدة الصراعات الساخنة والحروب بالوكالة، ويحدّ من تضارب سياسات البلدين، ما قد ينعكس بدرجة ما على استقرار المنطقة.
لكن من الصعب تصور أن مجرد تفاهم بينهما كفيل بإحلال السلام، في منطقة تتشابك فيها المصالح الدولية إلى حد كبير، في زمن لم يعد فيه احترامٌ للعهود والمواثيق الدولية، فما بالك أن تحترم الدول مجرد "تفاهمات"!