الحكومة وتحدي الحصانة الثقافية
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
02-05-2026 04:07 PM
المتبحر في علوم العقل البشري بتشابكاتها وسيالاتها العصبية وربطها بالتكيف الاجتماعي سيجد ان هنالك معادلة تقرر تحول او منع تحول المشاكل والازمات الاقتصادية الى ازمات اجتماعية وهذه اثبتت صحتها عبر التاريخ و اسميها معادلة الحصانة الثقافية. هذه المعادلة كما تنطبق على المجتمعات تنطبق ايضا على الافراد و الحكومات و الدول. قبل ان اتوسع في شرح معادلة الحصانة الثقافية اعطي بعض الامثلة.
مجتمع المدينة بقيادة الرسول محمد عليه السلام كان يعاني مشاكل اقتصادية لدرجة ربط البطون بالحجارة احيانا كما ورد في الاثر و لكن تلك لم تتحول الى مشاكل اجتماعية.
الثورة الفرنسية قامت لاسباب اقطاعية واقتصادية ولكن لامتلاك نخبة حصانة ثقافية انتجت عدد من المفكرين و شكلت النموذج الغربي الذي نراه.
مانديلا و مجموعته كانوا يعانوا غياب الحرية و المساواة الاجتماعية و الازمة الاقتصادية و لكن لم تتحول الى ازمة اجتماعية بعد النصر بل انتجت نموذج تسامح اسسه ماندلا و انسحب من الرئاسة رغم قدرته على البقاء.
اجدادنا في الاردن كانوا يمرون بازمات اقتصادية و شح في الامطار و جفاف و لكن لم تتحول تلك الى ازمات اجتماعية بل الى نموذج تعاوني لمواجهة الازمات.
و هنالك نماذج لا تنتهي من التاريخ من السومريين للفراعنة للاغريق للانباط للرومان اثبتت كيف ان امتلاك الحصانة الثقافية فردية او نخبوية او اجتماعية حمت من تحول الازمات الاقتصادية لازمات اجتماعية مدمرة.
بالمقابل نجد نماذج مقابلة شكلت فيها غياب الحصانة الثقافية اساسا لزعزعة الاستقرار الاجتماعي و انتشار العادات السلبية و المرفوضة و ابسطها ما سمي حركات التحرر العربي و الحركات اليسارية و اليمينية و التي انتهت بثنائية المظلومية و السعي لامتلاك السلطة و ما تبعها من غياب الحرية و التنمية فاصبح منهجها زعزعة المجتمع و افساد المزاج العام للبقاء و الاستمرار.
اذا معادلة الحصانة الثقافية لا ترتبط بدين او عرق او لون او زمن بل هي معادلة ثقافية لها اساس علمي يمتد عميقا في العقل البشري بشقيه الواعي و اللاواعي و الية التشابكات العصبية و التوازن الكيميائي داخل الدماغ. الخص هذه المعادلة بما يلي:
وجود هدف او حلم كبير في كل مجال من الحياة يمثل المنار الذي تسعى اليه المجتمعات و الدول و الحكومات و الافراد. هذا الحلم او المشروع واضح المعالم المعلن للعموم يمد المجتمع بالحماس و الشغف و يعطيه الاستمرارية ان تداعت الادوات و يمنح الارادة و العزيمة لخوض التحديات و النهوض بعد التعثر و الاهم انه يعطي معنى للحياة اليومية و سبب للتطور و زيادة المعارف و المهارات.
لكن وجود المشروع او الحلم لا يكتمل الا بوجود شخصية القائد على رأس كل مؤسسة ليحول الحلم الى اهداف متدرجة قابلة للتحقيق و ان يمتلك القائد التفكير الموضوعي (للتقييم بدون انحيازات) و التفكير الابداعي (لايجاد الحلول من خارج الصندوق).
في غياب المشروع و شخصية القائد على رأس المؤسسة او الوزارة او الحكومة تظهر شخصية المدير بتفكيرة النمطي الذي يجيد تصريف الاعمال اليومية و يوجل الملفات و استشراف المستقبل و يصبح المنصب و البقاء به هو الهدف فيحيط نفسه بالضعفاء بدلا من المبدعين و المفكرين و يمنع التغيير لانه خطر على المنصب فتدخل المؤسسة بالشلل و يمتد ذلك الى التململ و التذمر و تراجع الهمم و البحث عن الاستعراض لغياب المشروع و القائد.
ان استعرضنا وضعنا في الاردن نجد ان مؤسسة السياسة الخارجية و الجيش و الامن تمتلك المشروع و القائد لذلك نجدها مستقرة و اكتسبت الثقة لدرجة انه كلما ظهرت ازمة طالب الكثير بشخصية عسكرية او امنية تقود المؤسسات.
بالمقابل نجد الخلل في السياسة الداخلية و هذا والله ليس انتقادا عشوائيا او جلدا للذات او المؤسسات لكن اجتهاد للتحسين. اذا سالت اليوم اي مسؤول او مواطن او موظف في مؤسسة الثقافة او التعليم او الصحة او العمل او التنمية الاجتماعية ما هو الحلم او المشروع المعلن لتلك الموسسة لن يجد و غياب المشروع او الهدف الكبير هو تعبير عن غياب شخصية القائد في تلك المؤسسة او المجال.
لنرى مثالا حاضرا و هو كرة القدم الاردنية، وجد قائد و وجد مشروع (ان نصبح فريق مميز و نصل كأس العالم) ثم وضعت اهداف متدرجة و تفكير ابداعي لحلول للعقبات لنرى اليوم فريقنا احد كبار اسيا و كبار العرب و يصل كأس العالم.
اذا المعادلة سهلة حلم و مشروع معلن و قوي و قائد يمتلك الرؤية لتحويله الى خطوات و تفكير ابداعي للحلول يتحول المجتمع و الموظفين الى همم اعلى و حماس و ارادة و معنى و رغبة في الارتقاء و التطور.
برايي حتى الاصلاح السياسي اذا لم تغير الاحزاب رؤيتها لحلم و مشروع اردني و قائد يبني شراكات مع المؤسسات الوطنية فانها ستصل لمعادلة المظلومية و الاسترضاء الشعبي و تهييج عواطف الجماهير كطريق لقلوبها او اصواتها لا فرق.
هذه المعادلة هي نفسها ما يحتاجه الفرد للتطور و التميز و الانجاز و هنا يصبح هو القائد لمشروعه بالحياة بالارادة و التفكير الابداعي و استشراف المستقبل و تعزيز التقدير الذاتي.