الهجوم على الأطباء في مواقع التواصل وتضخيم الشائعات
الدكتور عادل الوهادنة
03-05-2026 09:02 AM
بين ابتزاز ممجوج… وصمت نقابة عادت خديج… وإعلام يرى الحقيقة من خرم إبرة…
الأمور إن لم تُعالج تأخذ الأطباء إلى العزوف عن الممارسة ذات المخاطر، وهذا أمر إن حدث لن تستطيع أي قوة على الأرض أن تعيد ما انكسر.
هذه ليست عبارة عابرة، بل توصيف دقيق لمسار آخذ بالتشكل، يبدأ من منشور غير موثق، يتضخم عبر إعادة النشر، ثم يتحول إلى “رأي عام” ضاغط، قبل أن يُترجم إلى أحكام مسبقة، وانحيازات مؤسسية صامتة، وأحيانًا إلى قرارات فردية من الطبيب بالانسحاب التدريجي من أكثر مناطق الممارسة حساسية.
في جوهر المشكلة، لم يعد الطبيب يواجه المرض وحده، بل يواجه ثلاثية معقدة:
رواية شعبوية سريعة الانتشار،
ومنصات رقمية تكافئ الإثارة لا الدقة،
وفراغًا مؤسسيًا في الدفاع المهني المنظم.
الابتزاز الممجوج لم يعد يقتصر على حالات فردية، بل أصبح نمطًا؛ تهديد مبطن بالتشهير، أو نشر انتقائي لمعلومة ناقصة، أو تصوير لحظة معزولة خارج سياقها الطبي الكامل. وهنا، يتحول الخطأ الطبي – إن وُجد – من مسألة علمية تُناقش ضمن أطر مهنية وقانونية، إلى مادة للجلد الجماعي، حيث تختلط المسؤولية بالاتهام، والتحقيق بالإدانة.
أما صمت النقابة، حين “عاد خديجًا”، فهو لا يُقرأ فقط كغياب صوت، بل كغياب مرجعية. فالنقابة في النظم الصحية المتقدمة ليست جهة ترخيص فحسب، بل مظلة حماية مهنية، وصوت توازن بين حق المريض في المعرفة، وحق الطبيب في محاكمة عادلة قائمة على الدليل. وعندما يغيب هذا الدور، يُترك الطبيب مكشوفًا أمام موجات الرأي العام، بلا سند مؤسسي واضح.
والإعلام، حين “يرى الحقيقة من خرم إبرة”، يفقد وظيفته الأساسية كناقل للسياق الكامل. فالقضية الطبية بطبيعتها مركبة، تحتاج إلى تفسير علمي، زمن، وقراءة متعددة الزوايا. اختزالها في عنوان صادم أو تقرير مبتور، لا يظلم الطبيب فقط، بل يضلل المجتمع، ويؤسس لفجوة ثقة تتسع بصمت.
النتيجة الأخطر ليست في الضجيج الحالي، بل في السلوك القادم. عندما يبدأ الأطباء – خاصة في الاختصاصات عالية الخطورة كالعناية الحثيثة، الطوارئ، الجراحة المعقدة، والأمراض المناعية – باتخاذ قرارات دفاعية، أو تجنب الحالات الحرجة، أو إحالة ما يمكن معالجته، فإننا ندخل مرحلة “الطب الآمن للطبيب لا للمريض”. عندها، ترتفع الكلفة، يطول زمن العلاج، وتتراجع جودة النتائج، دون أن يكون السبب نقص كفاءة، بل فائض خوف.
وإذا ترسخ هذا المسار، فإن كسر الثقة لن يكون حدثًا عابرًا، بل تحولًا بنيويًا. إعادة بناء الثقة بين الطبيب والمجتمع تحتاج سنوات من العمل المؤسسي، ولا يمكن أن تُستعاد بقرار أو حملة إعلامية مؤقتة.
المعالجة لا تكون بردود فعل، بل بإعادة ضبط المشهد:
أولًا، إطار قانوني واضح يميز بين الخطأ الطبي والمضاعفات المتوقعة، ويمنع المحاكمة عبر المنصات الرقمية.
ثانيًا، حضور نقابي فاعل، استباقي، لا دفاعي متأخر، يُقدم الرواية العلمية بلغة يفهمها المجتمع.
ثالثًا، إعلام متخصص، أو على الأقل مستند إلى مرجعية علمية قبل النشر.
رابعًا، تعزيز ثقافة الشفافية داخل المؤسسات الصحية، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثلى للشائعة.
المسألة ليست دفاعًا عن فئة، بل حماية لنظام كامل. لأن الطبيب حين يفقد الأمان المهني، لا يخسر وحده، بل يخسر معه المريض، والمؤسسة، والدولة.
وما بين ابتزاز ممجوج… وصمت خديج… ورؤية من خرم إبرة…
تقف مهنة كاملة على حافة قرار صامت:
إما الاستمرار تحت الضغط، أو الانسحاب من مناطق الخطر.
وإن حدث الانسحاب… فلن يكون ما انكسر سهل الإصلاح.