السردية المظلومة: لماذا دفع الأردن فواتير الآخرين في صراع البقاء؟
الدكتور عزمي حجرات
03-05-2026 11:24 AM
على مر عقود من الصراع العربي الإسرائيلي، وجد الأردن نفسه في قلب الإعصار، ليس فقط بسبب الجغرافيا التي جعلته الرئة لفلسطين، بل بسبب التزامه القومي الصادق الذي جعله غالباً يدفع أثماناً باهظة لقرارات عسكرية وسياسية لم يكن هو صاحب القرار السيادي الوحيد فيها. آن الأوان لإعادة قراءة التاريخ من منظور الحقيقة الأردنية بعيداً عن صخب الشعارات والبروباغندا الموجهة.
تُردد بعض الأبواق اتهاماً باطلاً للجيش العربي الأردني بتسليم الضفة الغربية في حرب حزيران. والحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون هي أن القرار العسكري الأردني كان مسلوباً بموجب اتفاقية الدفاع المشترك. لقد كان القائد الفعلي للميدان هو الفريق المصري عبد المنعم رياض، وتحرك الجندي الأردني بناءً على معلومات مضللة وصلت من القاهرة. ورغم انعدام الغطاء الجوي، استبسل الجيش الأردني في معارك تلة الذخيرة والقدس، ولم ينسحب إلا بعد أن أصبحت قواته مكشوفة تماماً بفعل انهيار الجبهات الأخرى. لم يكن تسليماً"، بل كان تضحية" في سبيل وحدة الصف العربي.
في عام 1968، حقق الجيش العربي الأردني أول نصر عسكري ومنظم على الآلة العسكرية الإسرائيلية، محطماً أسطورة الجيش الذي لا يقهر. لكن الماكينة الإعلامية العربية آنذاك، وفي محاولة لرفع المعنويات المنكسرة، قامت بتضخيم دور قوات الفصائل ذات التجهيز الخفيف على حساب سلاح المدفعية والدروع الأردني الذي كان هو صاحب الكلمة الفصل في الميدان. لقد سُرقت الكرامة من الجندي الأردني المحترف لتُمنح لخطابات سياسية أدت لاحقاً إلى زعزعة استقرار الدولة.
لم تكن الضغوط إسرائيلية فحسب، بل تعرض الأردن لمؤامرات عربية لتبديل نظامه السياسي تحت شعارات الدولة الديمقراطية (أيلول 1970)، ثم جاء قرار قمة الرباط عام 1974 ليقصي الأردن رسمياً عن ملفه التاريخي ويعتبر منظمة التحرير الممثل الوحيد، وهو ما تُوج لاحقاً بقرار فك الارتباط عام 1988 استجابة لرغبات عربية وفلسطينية ملحة. ومع ذلك، يُلام الأردن اليوم على وادي عربة وكأنه هو من تخلى عن القضية، بينما الحقيقة هي أن العرب والفلسطينيين هم من قرروا "تنحيته" عن المشهد التفاوضي مبكراً.
عندما وقع الأردن اتفاقية السلام عام 1994، لم يفعل ذلك منفرداً إلا بعد أن سبقه أصحاب البيت في اتفاقية أوسلو. جاءت وادي عربة كدرع قانوني لحماية الهوية الوطنية الأردنية من مشاريع الوطن البديل، ولتثبيت الحدود، واستعادة السيادة على أراضٍ غالية كالباقورة والغمر، التي عادت أخيراً بحنكة سياسية وقانونية فذة.
إن وادي عربة لم تكن تخلياً عن فلسطين، بل كانت تأميناً للقاعدة الصلبة التي يتنفس منها الفلسطينيون. فسلام الأردن القوي والمستقر هو الضمانة الوحيدة لبقاء قضية القدس حية عبر الوصاية الهاشمية، وهو العائق الأكبر أمام أحلام اليمين الإسرائيلي في تصفية القضية على حساب الجغرافيا الأردنية.
ختاماً، إن مراجعة التاريخ تُنصف الأردن كدولة مارست الواقعية الشجاعة. لقد خسر الأردن الضفة بقرار قومي، وحارب في الكرامة بدم جنده المنسيين، وصمد أمام مؤامرات الشقيق قبل العدو. واليوم، تظل السردية الأردنية هي الأكثر صدقاً: أردن قوي، ذو سيادة، وقرار مستقل، هو السند الحقيقي والوحيد لفلسطين، بعيداً عن مزايدات من لا يملكون من الصراع إلا الكلمات.