سردية الإنسان الأردني: قليل من التاريخ وكثير من المستقبل
إبراهيم غرايبة
04-05-2026 11:44 AM
"الأمم تتشكل وتتميز حسب تاريخها الاقتصادي" جوزيف شومبيتر
برغم أهمية التاريخ المعرفية والتنموية (والسردية) فإنه لا يشكل عاملا حاسما في سردية علاقة الإنسان بالمكان، وحين يكون التاريخ منقطعا عن الحاضر، ويكون الحاضر أيضا منقطعا (ربما) عن المستقبل؛ فإن التشكل والوعي الإنساني يتحدد وعيه التاريخي بالذات وما يحب (ويجب) أن يكون عليه بقدر ما يمنحه هذا التاريخ تجارب وإنجازات حقيقية متراكمة وفاعلة، وقد يتحول التاريخ كما يحدث في كثير من الأحيان إلى عبء على أصحابه.
لكن أيضا فإن التاريخ يمكن أن يساعدنا كثيرا في تطبيق المفاهيم العامة والتاريخية في التقدم والتفاعل مع المكان. أو في إجابة الأسئلة البديهية الأاسسية؛ كيف نعيش حياتنا؟ كيف ندبر احتياجاتنا وأولوياتنا الأساسية مثل الماء والطاقة والغذاء والدواء والسكن معتمدين أساسا على المكان؟ كيف نوظف المكان في مواجهة التحديات؟ وكيف نواجه التحديات المتصلة بالمكان، مثل المناخ والموارد والتصحر والتلوث البيئي؟
السؤال الأساسي والبديهي كيف ننشئ اليوم في الأردن حياتنا الأساسية مستمدة من المكان؟ كيف نوفر وندبر الماء والطاقة والغذاء والدواء. والسكن. ونفعّل ونصلح استخدامات الأراضي على نحو مستديم ومتجدد بحيث نكون قادرين على توفير الاحتياجات والاولويات الأساسية من غير نزف للأرض والموارد وبجهود وتكاليف نقدر عليها؟
إن الحضارة بما هي تحسين الحياة، وكما يصف مالك بن نبي تنشأ من تفاعل الإنسان مع المكان والزمن؛ تتمثل عمليا وتقطبيقا في التقدم، بما هو الحالة الناتجة في متوالية من التفاعلات الإيجابية بين الموارد والقيم والتنظيم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي على النحو الذي ينشئ تغير ايجابي في كرامة الإنسان والناتج المحلي ومستوى المعيشة والخدمات الأساسية؛ التعليم والصحة والتكامل الاجتماعي والماء والطاقة والسكن والغذاء والدواء.
السردية الإنسانية في المكان هي بوضوح كما يلي: ثمة مجموعة موارد وأولويات وقيم ومؤشرات؛ نتفق جميعا على ضرورة تحقيقها وحمايتها وإدامتها، متعلقة بالأمكنة التي نعيش فيها، بما هي: الأرض والمدن والبلدات، والأعمال والمصالح التي تقوم عليها الحياة والموارد، وما يتصل بها من الخدمات الأساسية وأسلوب الحياة والتقدم المهني، وحقوق ومكتسبات العمل والضمان الاجتماعي والرعاية والسلامة. والتنظيم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على أساس حماية الموارد وتعظيمها وتجديدها وإدامتها، وجمع الموارد العامة وإنفاقها بعدالة وكفاءة.
هكذا تتشكّل الطبقات والقيادات الاقتصادية والاجتماعية والأساسية بما يعكس تنظيم عادل وفاعل للأمكنة والمصالح والأعمال. وتتشكل النخب والعلاقات ومنظومات العمل والقيادات، إذ يتجمع الناس في المدن والبلدات، على النحو الذي يطور الأمكنة، ويجعلها إقامة تبعث على الرّضا والاستقرار، ويطور الأعمال على النحو الذي يحسِّن الحياة. وإذا لم تكن النخب تعكس الواقع والتفاعل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي؛ بمعنى أن تكون قيادات تعبر عن قواعد اجتماعية في المدن والمصالح والأعمال والتيارات السياسية والفكرية والمؤسسات العامة فإنها تفقد المبادرة والقدرة على التأثير والإبداع، وتنفصل عن المجتمعات ومصالحها واحتياجاتها.
كيف نجعل التفاعل والتنافس سلميا جدليا حول تنظيم الموارد والخدمات وتعظيمها؟ هذه هي الدبلوماسية الإلهية أو هدية الله إلى البشر ليعيشوا في سلام. لم يكن الفقر والفشل والعجز الاقتصادي في يوم من الأيام بسبب نقص الموارد، ولكنه بسب الفشل في بناء مؤسسات وأنظمة اقتصادية واجتماعية وسياسية تدير الموارد والأعمال على النحو الذي يعود على جميع الناس بالفائدة، ويضمن المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لجميع المواطنين.
وحين نفكر في سردية الإنسان الأردني ليس المطلوب وليس مفيدا مدح الذات واستذكار التاريخ والانتصارات والحكايات، وإن كانت جيدة على أي حال لكنها ليست هي سردية الإنسان الأردني، فقصة الإنسان الأردني هي علاقته التاريخية بالمكان والماء والطاقة والمناخ والبيئة والغابات، والنشاطات الاقتصادي القائمة، مثل الزراعة والصناعة والتجارة والأعمال والخدمات. ثم في مستوى آخر كيف تعالج الموارد وتطور لتنعكس في تنمية متقدمة يعبر عنها النمو الاقتصادي ومستوى المعيشة والدخل. ورأس المال الإنساني كما يمكن ملاحظته وقياسه من خلال مؤشرات التعليم والصحة والعمل والإبداع.
كيف تكون الصحراء مصدرا للموارد والنمو الاقتصادي. لنتوقف وقفة خاصة للبادية. إذ تشكل ثلاثة أرباع مساحة الأردن، وهذا تحدي واضح يفرض سؤالا بديهيا كيف نحول البادية إلى مورد اقتصادي؟
تبدو الصحراء في أذهان كثير من الناس كثباناً رملية تموج في أشعة الشمس، أو البدو الرحل المتنقلين في الفيافي والقفار، أو أنهاراً من النفط، لكن لو تتبعنا الصحراء في التاريخ والجغرافيا والسينما والثقافة والزراعة والعلم لوجدناها أكثر من ذلك بكثير. فالصحراء تشكل ثلث مساحة الكرة الأرضية، فهي تشمل المناطق الواقعة بين مداري السرطان والجدي على جانبي خط الاستواء والمناطق القطبية في أقصى الشمال والجنوب من الكرة الأرضية، ووسط آسيا، ويجمع بين هذه المناطق قلة الأمطار أو الأراضي الجرداء القاحلة.
اجتذبت الصحراء النساك والزهاد والفنانين والرحالة والمستكشفين مشكّلة تراثاً هائلاً من القصص واللوحات والأفلام المستمدة من الشمس، والزهد والتقشف، والتمرد، والصفاء، والعزلة والوحدة.
وفي عالمنا العربي تبدو الصحراء موطن الرسالة الإسلامية، وطريق القوافل والهجرة والفتوح، ومسارح العلم والعمل والكفاح والاستقلال، ومغالبة الفقر والمعاناة، والعناد الأسطوري، وقصص الحب العجيب والعذاب والصعلكة، وتقاليد الثأر والصلح.
الحقيقة أن الصحراء ليست مجرد تراث رومانسي تاريخي، بل يمكن أن تكون إطاراً لحضارة شاملة تشمل الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة، وقد تبنى المؤتمر العام لليونسكو عام 1984 اقتراحاً مقدماً من الهند لإنشاء معهد لدراسة المناطق الجافة، ثم أنشأت جامعات عربية كثيرة معاهد وأقساماً لدراسات المناطق الجافة وقد أنجزت هذه المؤسسات بالفعل دراسات ومشروعات حول المياه، والمناخ، والطاقة الشمسية، والبدو الرحل والري.
إن إعمار الصحراء وإقامة تجمعات سكانية حضرية مرتبطة بهذه الصحراء اقتصادياً وثقافياً أصبح أمراً ممكناً وبتكاليف مادية وفنية قليلة نسبياً، وسيجعل تطور وسائل الاتصال والإعلام وانتشار الطرق ووسائل النقل ذلك أمراً يسيراً ينقل الصحراء الاردنية والعربية من الفقر والجدب إلى العطاء والتنمية.
وفي النهاية فإن الصحراء هي قدرنا، ولا خيار أمامنا سوى تحويلها إلى مصدر للحياة والنماء بدلاً من أن تكون عبئاً يثقلنا. أو جزءاً مهملاً منسياً من بلادنا لأن ذلك الشرط الأول وربما الوحيد لتحقيق تنمية مستقلة وحضارة متميزة وهوية خاصة بنا، ولأن ذلك في مرحلة العولمة لم يعد ترفاً، أو عملية فولكلورية رمزية، لكنها إطار مهم للبقاء والتنافس والحوار والتبادل مع دول العالم وحضاراته الأخرى.
في السطوع الدائم للشمس في الصحراء يمكن أن تكون موردا مهما وميزة تخفف من سطوتها وتأثيرها على البيئة والمياه والموارد والزراعة والرعي، فيتحول في قلب الشمس 700 مليون طن من الهيدروجين إلى هيليوم كل ثانية، كما تتحول أربعة ملايين طن من المادة إلى طاقة، وهي بذلك مصدر العطاء في الأرض، ولذلك فقد ظلت في كثير من الأديان والحضارات منذ فجر التاريخ رمزاً للخير والنور والفضيلة والقوة ومصدر العون لمحاربة الشر والظلام.
وقد حاول الحكام التاريخيون أن يستخدموا "روح الشمس" لإقامة حكم مستقر مبني على مبادئ الوحدة التي ترمز لها الشمس، فقد سعى "أخناتون" أحد أهم فراعنة مصر قبل الميلاد بأربعة عشر قرناً أن يوحد شعبه في ظل الضوء الذي يشع من قرص الشمس "آتون" ويشمل الجميع، وكان الاسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد يأمل أن يحكم العالم مثل "الشمس"، وكانت الشمس المقدسة رمزاً في الحضارة الرومانية يجمع مختلف شعوب الإمبراطورية الشاسعة.
وكانت الشمس أيضاً مصدر إلهام كثير من الأعمال الفنية والمعمارية والشعر والثقافة باعتبار أن الشمس هي الحقيقة والنقاء والاستقامة، وأثرت الشمس في تصميم المباني والمعابد والنوافذ وتوجيه الأماكن وتخطيطها.
بدأت الشمس تأخذ مكاناً مهماً متنامياً في استخلاص الطاقة، إن الطاقة الشمسية ليست هي الحل "المعجزة" ولكنها يمكن أن تستخدم على نطاق أوسع مما هي مستخدمة عليه الآن، وقد حدثت تطورات بالفعل تجعل مستقبل استخدامها موضع تفاؤل وليس خيالياً.
لقد توسع النشاط العمراني في الأردن، وبرغم أن المدن قامت حول مصادر المياه، فإنها (المدن) استنفدت هذه المصادر، وصارت تجلب المياه من أماكن بعيدة، ويذهب نصف هذه المياه هدرا في أثناء نقلها، كما أن 15% من الطاقة الكهربائية في البلد تخصص لضخ المياه، ونحتاج إلى قدر من الخيال (الواقعي) لملاحظة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لمثل هذه العمليات وتأثيرها على الزراعة والموارد واتجاهات السكان والإقامة، والعدالة الاجتماعية.
وهناك أيضا تغير في العادات الغذائية، فالمواشي التي كانت تربي في الأصل لأجل الحصول على الحليب ومشتقاته، وكان أكل اللحوم محدودا، ولكن العادات الغذائية اليوم في الإقبال المتزايد على اللحوم أدت إلى استهلاك واسع للمواشي وتوسع في تربيتها واستيرادها، ومن ثم تزايد الحاجة إلى تغذيتها، الأمر الذي يشكل ضغطا كبيرا على البيئة والموارد. وفي التغيرات الاقتصادية فقد تغيرت الزراعة نفسها وتراجع دورها في الاقتصاد، وفي مجال النشاط الإنساني المؤثر على البيئة
البادية الأردنية تصلح للزراعة إذا توفرت المياه، والتجربة العملية تثبت ذلك، فقد أمكن إنشاء مزارع واسعة في البادية تقوم على المياه الجوفية. لكن يجب أن نقيم المشاريع القائمة ونفكر للمستقبل على أساس مجموعة من المبادئ. ما أفضل السياسات الزراعية بأقل استخدام ممكن للمياه؟ كيف نضمن أن يكون الاستثمار الزراعي والصناعي في البادية يعود على جميع المواطنين وليس لصالح قلة من الأغنياء والمتنفذين؟
الإجابة البديهية والتلقائية هي اجتذاب أكبر عدد ممكن من المواطنين للإقامة والعمل في البادية. بتوزيع أو تأجير حيازات زراعية توفر لكل أسرة أو مزارع فرصة حياة كريمة قائمة على الاقتصاد الزراعي.
ويقتضي ذلك بطبيعة الحال إنشاء تجمعات سكانية وتطوير البلدات في البادية وتنظيمها على النحو الذي يوفر الحياة الأساسية للمواطنين المقيمين في البادية، مياه الشرب والكهرباء والانترنت والمدارس والعيادات والطرق وسائر الخدمات التي تجعل حياتهم وإقامتهم في البادية لا تقل في مستواها عن المدن.
ويمكن استخدام التقنية الزراعية المطورة للري والإنتاج الزراعي لتفعيل المياه وتقليل الكلفة وزيادة الناتج الزراعي. ويمكن أيضا تشجيع الزراعات التي تحتاج إلى مياه أقل مثل الحبوب والبقوليات، يمكن ذلك بتشريعات وربط أسعار المياه بنوع المزروعات
ويمكن إقامة مصانع للمواد الغذائية قائمة على المنتجات الزراعية التي تزرع في البادية؛ بحيث تعظم الاقتصاد الزراعي، وترتبط بأسلوب حياة الناس ومصالحهم، مثل تعبئة وتصنيع الحمص والفول والفريكة، وصناعة الأعلاف، وإقامة مشروعات للثروة الحيوانية على النحو الذي يطور الوجود والإقامة للناس في البادية ويعظم الاقتصاد الزراعي، والصناعات المرتبطة بالثروة الحيوانية مثل المواد الغذائية من منتجات الحليب والجلود والمواد الطبية، والسماد الطبيعي.
ويمكن أخيرا إقامة مشروعات للسياحة والترويح في الصحراء، مثل المخيمات والمنتجعات السياحية والسياحة الثقافية والرياضية، والمزارع الصغيرة المطورة للإقامة المؤقتة الترفيهية.