بين الخطاب القانوني والخطاب الثقافي
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
05-05-2026 01:17 PM
هنالك قضايا اجتماعية ووطنية لا يمكن حصرها بالنصوص القانونية بل لا بد اخذها من منظور ثقافي يراعي الهوية الوطنية و الارث الاجتماعي و العادات و التقاليد و خصوصية المعتقدات.
الهوية الوطنية هي هوية ثقافية بالدرجة الاولى و هذا ما يميزها عن المواطنة. انت مواطن تحمل جنسية اذا لك حقوق قانونية و عليك واجبات تحكمها القوانين و الانظمة و التعليمات و الاسس. لكن الوطنية و الهوية يحكمها الارث التاريخي و العرف الاجتماعي و الثقافة التي هي بمثابة الروح للدولة.
الليبرالية مقابل المحافظة القوانين تنظمها حتى لا يتغول طرف على آخر او يغلب لغة العنف على لغة الحوار لكن جوهر الخلاف ثقافي. الليبرالية تؤمن بالفردية و حريتها المطلقة في حين المحافظة تؤمن بالاسرة و الانتماء الاجتماعي باعرافه و عاداته و قيوده التي تراكمت عبر الآف السنين.
الليبرالية تؤمن في جوهرها بأن الحقوق و الحرية الفردية مقدمة على مصلحة المجموع و منطق الاسرة و العشيرة و المنطقة و الدولة و الدين و القومية في حين ان المحافظة تؤمن ان الفرد يتخلى عن جزء من حريته و حقوقه لصالح المجموع خصوصا الاسرة و المجتمع و الدولة.
في المقابل فإن التيارات الدينية تلتقي مع المحافظين في الحفاظ على الاسرة و تختلف معهم في موضوع الهوية و الانتماء. في حين ان الاحزاب و التيارات الوطنية تضع الانتماء للدولة اولا و تعتبر الباقي هويات فرعية تنصهر جميعا في الهوية الوطنية فإن التيارات الدينية و القومية و الطائفية و العرقية تضع الهوية الفرعية اولا و هوية الدولة تابعة لها.
قوة التيارات التي لا تضع الهوية الوطنية للدولة اولا انها تخاطب الجماهير ثقافيا و تقيد معارضيها قانونيا. بمعنى آخر هي تتسلل الى مزاج و قناعات المجتمع بافكارها و في حال معارضتها من افراد او تيارات اخرى ترفع سيف القانون بوجهه.
لذلك في الحوارات العامة و الخاصة نلاحظ التيارات العابرة لحدود الدولة تجر النقاش الى ما هو قانوني و ما يجوز و ما لا يجوز وفق القانون رغم ان الاشكالية معها ثقافية و ليست قانونية. الدول لا تمنع حرية التفكير و لكن تقيد حرية التعبير و السلوك وفق العقد الاجتماعي الخفي القائم على الارث و الحاضر الثقافي دون تغول او عنف.
برأيي ان هنالك فجوة ما زالت موجودة بين القانوني و الثقافي و تجسير هذه الفجوة ضروري لاغلاق الفراغات التي تعبر منها الافكار التي تتعارض او تناكف ثوابت الدولة و سيادتها و عقدها الاجتماعي. هذا التجسير يحتاج مفكرين و مثقفين لا تعيقهم العواطف ولا المصالح الشخصية.