في إحدى الحوادث التي تعكس واقعاً يومياً متكرراً، شهد شارع صلاح الدين الأيوبي، بالقرب من البنك المركزي الأردني في عمّان، موقفاً لا يمكن اعتباره مجرد أزمة مرورية عابرة، بل يتجاوز ذلك ليطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام أزمة سير أم أزمة أخلاق؟
تبدأ القصة مع موظفة قررت، منذ بداية دوامها، أن تصطف بسيارتها على يسار الشارع بطريقة عشوائية، متجاهلة قواعد المرور وأبسط حقوق الآخرين في استخدام الطريق ، لم يكن الأمر مجرد مخالفة بسيطة، بل تسبب هذا التصرف بإغلاق شبه كامل للشارع، حتى وصلت شاحنة كبيرة لم تستطع المرور، لتتحول المسألة خلال دقائق إلى أزمة خانقة امتدت لما يقارب ساعتين ونصف.
تزامن ذلك مع وقت انصراف طلاب المدارس، ما ضاعف من حجم الفوضى والازدحام، حيث اصطفت عشرات السيارات خلف الشاحنة العالقة، وأطفأ سائقها المحرك منتظراً حلاً لا يبدو أنه سيأتي قريباً ، حاول السائقون التواصل مع الجهات المختصة، من إدارة السير إلى أي جهة يمكن أن تتدخل، لكن دون جدوى ، لم تصل أي جهة مسؤولة إلى الموقع، رغم كثرة الاتصالات ووضوح حجم الأزمة.
ومع مرور الوقت، تصاعد التوتر والغضب بين السائقين وأهالي المنطقة ، وفي لحظة تعكس حجم الاحتقان، أقدم أحد السائقين على خلع لوحة أرقام السيارة المخالفة ووضعها في سيارته، كردة فعل انتقامية على ما تسبب به هذا الإهمال.
بعد كل هذا، ظهرت صاحبة السيارة أخيراً، ليتبين أنها موظفة في البنك المركزي القريب، الذي يتوفر أمامه كراج مخصص، إلا أن المفاجأة لم تكن في هويتها، بل في رد فعلها، حيث واجهت الحاضرين بالصراخ والتوبيخ، دون أي اعتراف بالخطأ أو محاولة للاعتذار، ثم غادرت المكان وكأن شيئاً لم يكن.
لكن القصة لم تنتهِ هنا، بعد فترة، عادت السيدة برفقة مجموعة من رجال الأمن، بعد أن قدمت شكوى تفيد بسرقة لوحة سيارتها من أحد شباب المنطقة ، المفارقة المؤلمة أن الأمن استجاب سريعاً لشكواها، رغم أن جميع الشهود كانوا قد غادروا، ولم يُستمع إلا لروايتها وحدها، بينما لم تحضر أي جهة رسمية خلال ذروة الأزمة نفسها.
هذا المشهد يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة: كيف يمكن أن تتحول المخالفة الواضحة إلى شكوى مضادة؟ وكيف يستجيب النظام لشكوى فردية بسرعة، بينما يتجاهل أزمة حقيقية تمس عشرات المواطنين؟ وهل تكمن المشكلة فعلاً في غياب الرقابة فقط، أم في سلوكيات الأفراد واستهتارهم بحقوق الآخرين؟
أما فيما يتعلق بوجود كاميرات، فغالباً ما تكون الشوارع الحيوية في عمّان مزودة بكاميرات مراقبة، سواء تابعة لـ إدارة السير أو لجهات أخرى، وقد تُستخدم هذه التسجيلات في حال تم تقديم شكوى رسمية أو متابعة قانونية ، لكن تفعيل هذه الأدوات يعتمد على وجود إجراء رسمي، وليس فقط على وقوع الحادثة.
في النهاية، قد تكون الأزمة بدأت بمخالفة مرورية، لكنها كشفت عن خلل أعمق في الثقافة العامة: غياب المسؤولية، ضعف احترام النظام، وتراجع الإحساس بالآخر لذلك، ربما يكون السؤال الأدق ليس “أزمة سير أم أزمة أخلاق؟”، بل: كيف يمكن معالجة الاثنين معاً؟