facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يصبح الدين الأمريكي اختبارًا لحدود الهيمنة


سمير حمدان - بودابست
07-05-2026 12:24 PM

* الإمبراطورية التي تستدين من المستقبل

لم يعد الدين الأمريكي مجرد رقم مالي ضخم أو ملف اقتصادي داخلي يخص الأسواق ووزارة الخزانة، بل أصبح أحد أهم المؤشرات على التحول الذي يصيب بنية القوة الأمريكية نفسها، لأن الولايات المتحدة التي بنت نفوذها العالمي لعقود عبر القدرة شبه المفتوحة على الاقتراض، تجد نفسها اليوم أمام معادلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد الدين أداة توسع تمنح حرية حركة واسعة، بل عنصرًا يفرض قيوده على القرار الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي معًا.

تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي ٣٤ تريليون دولار، أي ما يقارب ١٢٠٪ من الناتج المحلي، وفق بيانات صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحجم وحده، بل في الكلفة المتزايدة للحفاظ على هذا الحجم قابلًا للإدارة، لأن مرحلة الفوائد المنخفضة التي سمحت لواشنطن بتمويل العجز بكلفة محدودة انتهت فعليًا بعد دورة رفع الفائدة التي قادها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ عام ٢٠٢٢، ما دفع العوائد على السندات الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.

هذا التحول رفع مدفوعات الفوائد إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تقترب من تريليون دولار سنويًا، وفق تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي، أي ما يعادل أكثر من ١٨٪ من الإيرادات الفيدرالية، وهو مستوى يقترب من حجم الإنفاق الدفاعي الأمريكي نفسه، ما يعني أن جزءًا متزايدًا من موارد الدولة بات يُستهلك للحفاظ على القدرة على الاقتراض، لا لتمويل النمو أو الاستثمار أو البنية التحتية.

المشكلة أن هذا المسار لم يعد مرتبطًا بالأزمات أو الحروب فقط، لأن العجز السنوي الأمريكي يدور بين ٦ و٧٪ من الناتج المحلي حتى في فترات النمو، وفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، ما يعكس خللًا هيكليًا بين الإنفاق والإيرادات، فالإنفاق الإلزامي على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية يستهلك أكثر من نصف الميزانية الفيدرالية، ومع شيخوخة السكان ترتفع الكلفة تلقائيًا عامًا بعد آخر، بينما تبقى الإيرادات الضريبية مستقرة عند حدود ١٨ إلى ١٩٪ من الناتج منذ عقود، في ظل عجز سياسي مزمن عن إعادة هيكلة النظام الضريبي.

هذه الضغوط تنتقل مباشرة إلى الاقتصاد الحقيقي، لأن ارتفاع الفائدة يرفع كلفة القروض العقارية والاستهلاكية وتمويل الشركات، ويضغط على الاستثمار والإنتاج وسوق الإسكان معًا، وقد تجاوز متوسط الفائدة على بطاقات الائتمان ٢٠٪ خلال الأشهر الأخيرة، فيما تراجعت قدرة الأسر الأمريكية على تحمل كلفة الاقتراض والسكن، وهو ما بدأ يضغط تدريجيًا على الطبقة الوسطى التي شكلت تاريخيًا قاعدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الأمريكي.

لكن البعد الأخطر يبقى استراتيجيًا، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع خفض إنفاقها بسهولة كما تفعل الاقتصادات التقليدية، فهي تخوض منافسة مفتوحة مع الصين على التكنولوجيا والصناعة والنفوذ العالمي، وتحافظ على ميزانية دفاعية تتجاوز ٨٠٠ مليار دولار سنويًا، إلى جانب مئات المليارات التي تُضخ لإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية والطاقة والرقائق الإلكترونية، كما تظهر تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي ومجلس العلاقات الخارجية، ما يجعل كلفة التمويل جزءًا من معادلة القوة نفسها، لا مجرد تفصيل مالي.

الخطر المستقبلي لا يتمثل في عجز واشنطن عن سداد ديونها، بل في احتمال أن تبدأ الأسواق بالتعامل مع السندات الأمريكية كأصل يحمل مخاطرة أعلى مما اعتاده العالم لعقود، خصوصًا مع تراجع الحصة النسبية لبعض كبار حائزي السندات مثل الصين واليابان، لأن أي ارتفاع حاد ومستدام في العوائد قد يضع الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر قسوة، الاختيار بين الحفاظ على توسعها الاستراتيجي العالمي، أو حماية استقرارها المالي الداخلي.

الولايات المتحدة لا تواجه خطر الإفلاس التقليدي، لأنها تقترض بعملتها وتمتلك أعمق سوق مالية في العالم، لكنها تواجه خطرًا أكثر تعقيدًا، تآكل الامتياز الذي سمح لها لعقود بتمويل قوتها عبر الدين، لأن القوى الكبرى لا تبدأ بالتراجع عندما تخسر حربًا، بل عندما تصبح كلفة الحفاظ على نفوذها أعلى من قدرة اقتصادها على الاحتمال، وعندها لا يعود السؤال كم يبلغ الدين الأمريكي، بل كم ستدفع واشنطن للحفاظ على ثقة العالم بعملتها وقوتها معًا .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :