facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يُسرق الوعي… وتُلهى الأمة


م. عبدالفتاح الدرادكة
07-05-2026 06:30 PM

ليست المشكلة في الفن، ولا في الغناء، ولا حتى في البرامج الترفيهية بحد ذاتها؛ فالفن كان وسيبقى مرآةً للهوية ووسيلةً راقية للتعبير عن وجدان الشعوب. لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه: كيف تحوّل الفن من أداة وعيٍ ونهضة، إلى وسيلة إلهاء وتفريغ؟ وكيف ساهم ذلك في تغييب قضايانا الكبرى؟

لقد عرف العرب، عبر تاريخهم، فناً يحمل رسالة، ويعكس ثقافةً نهضوية متجذرة في الدين والقيم واللغة. كان الشعر ديوانهم، وكانت الأغنية امتداداً لنبضهم القومي والإنساني.

حين نستمع الى ام كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وفريد لا نسمع مجرد ألحان، بل نسمع تاريخ وهويةً ورسالة وادي النيل وحين تسمع فيروز فإنك تعيش حياة جبل لبنان وعظمته وحين تسمع صباح فخري تطير بك المشاعر الى عراقة القدود الحلبية وحين تسمع لناظم الغزالي تطربك المقامات العراقية وحين اسمع توفيق النمري وعبده موسى تسترجع تاريخ الدولة والبطولات الوطنية الاردنية . كانت القصيدة المغنّاة، مثل “رباعيات الخيام” أو “سلوا قلبي”، او مصر تتحدث عن نفسها تعبيراً عن عمق ثقافي وروحي، يتجاوز التسلية إلى بناء الذوق والوعي.

وحين كتب الشاعر علي محمود طه قصيدته التي غنّاها عبد الوهاب “أخي جاوز الظالمون المدى”، لم يكن يكتب كلماتٍ عابرة، بل كان يستنهض أمة، ويوقظ ضميراً، ويستدعي روح الجهاد والكرامة:

أخي جاوز الظالمون المدى
فحق الجهاد وحق الفدى

كانت تلك الكلمات صرخةً في وجه الظلم، ودعوةً للوحدة والتراص، وتأكيداً أن الأمة لا تُستباح ما دامت واعيةً بذاتها، متمسكةً بثقافتها.

أما اليوم، فقد تبدّل المشهد. لم يعد الفن في كثيرٍ من صوره يحمل تلك الرسالة، بل أصبح في جانبٍ كبيرٍ منه استعراضاً سطحياً، تُصنع نجوميته عبر برامج مثل برامج المسابقات الغنائية بمختلف الوانها. هذه البرامج، وإن بدت في ظاهرها توحّد الجمهور العربي عبر التصويت والتفاعل، إلا أنها في العمق قد تساهم في توجيه الاهتمام نحو الترفيه الخالص، بعيداً عن القضايا المصيرية.

وليس خافياً أن هذه النماذج مستوردة، تحمل في طياتها فلسفة مختلفة، نشأت في مجتمعات تجاوزت – أو خفّت لديها – أزمات الهوية والصراع، بينما نحن ما زلنا نعيش تحديات وجودية، من احتلالٍ لأراضينا، ونهبٍ لثرواتنا، ومحاولاتٍ مستمرة لطمس هويتنا. هنا يكمن الخلل: حين نستورد الشكل دون أن نعي السياق، وننخرط في اللهو بينما قضايانا لم تُحل.

لقد نجح الاستعمار، قديماً وحديثاً، في تفكيك عناصر القوة في مجتمعاتنا، ليس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً عبر “الغزو الثقافي الناعم”، الذي أعاد تشكيل أولوياتنا، وأشغلنا بأنفسنا، وخلق صراعاتٍ داخلية، حتى غابت القضايا المركزية، وعلى رأسها فلسطين، عن وجدان الكثيرين، أو تراجعت إلى هامش الاهتمام.

إن فقدان الإرادة لا يحدث فجأة، بل يبدأ حين نفقد الوعي، وحين ننفصل عن ثقافتنا الأصيلة، وحين نستبدل القيم بالسطحية، والرسالة بالاستعراض. عندها يصبح من السهل توجيهنا، واستنزاف طاقاتنا، ونهب ثرواتنا، واستباحة أراضينا.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فكما كان الفن أداة تغييب، يمكن أن يعود أداة وعي. وكما استُخدم لتفريغ الطاقات، يمكن أن يُستخدم لشحذ الهمم. نحن لا نرفض الغناء، بل نرفض أن يكون بلا معنى. لا نرفض الترفيه، بل نرفض أن يتحول إلى غاية تُنسينا من نحن.

إن استعادة ثقافتنا النهضوية تبدأ من الوعي: أن ندرك من نحن، وماذا نريد، وما هي قضايانا. أن نعيد للفن رسالته، وللكلمة وزنها، وللأغنية دورها في بناء الإنسان، لا في تخديره. أن نسمع من جديد صوت عبد الوهاب وهو ينادي:

أخي أيها العربي الأبي
أرى اليوم موعدنا لا الغد

فهل نلبّي النداء؟ أم نبقى أسرى الاستعراض، نُصفّق بينما تُسلب منا الإرادة؟

إنها ليست دعوة لرفض العصر، بل دعوة لامتلاك الوعي داخله… حتى نكون أمةً تصنع الحضارة، لا مادةً تتلاعب بها إرادات الآخرين.

والله من وراء القصد





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :