facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوظيفة… .. بين الأمان المؤقت واغتيال الطموح


الدكتور عطاالله الشرعة
08-05-2026 04:54 PM

يسألني طلابي وطالباتي في مختلف المراحل في البكالوريوس والماجستير والدكتوراه السؤال ذاته بصيغ مختلفة، لكنه يحمل القلق نفسه:
“هل الوظيفة اليوم أصبحت عبودية؟ وهل الراتب الثابت يعني حياة مستقرة… أم فقرًا مؤجلًا؟”


وفي الحقيقة، هذا السؤال لا ينبع من كسل جيل كما يظن البعض بل من خوف حقيقي يعيشه الشباب وهم يرون سنوات طويلة من الدراسة تنتهي أحيانًا إلى مكتب ضيق وروتين قاتل وراتب بالكاد يكفي حتى منتصف الشهر.

الوظيفة بحد ذاتها ليست عبودية ولم تكن يومًا عيبًا أو انتقاصًا من قيمة الإنسان، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إلى قيد نفسي وفكري وحين يصبح الإنسان خائفًا من فقدانها أكثر من خوفه من ضياع عمره داخلها.

أخطر ما تفعله بعض الوظائف التقليدية أنها لا تقتل الإنسان دفعة واحدة بل تستهلكه ببطء. يدخلها شابًا مليئًا بالطموح، والأفكار والرغبة في التغيير ثم تمر السنوات فيكتشف أنه أصبح مجرد رقم في مؤسسة يكرر ذات التفاصيل ينتظر الراتب، ويؤجل أحلامه إلى أجل غير معلوم.

الراتب الثابت يمنح شعورًا بالأمان لكنه أحيانًا يتحول إلى قيد ذهبي يجعل الإنسان يخشى المغامرة ويؤجل مشروعه ويتردد في تطوير نفسه ويقنعه أن النجاة أهم من النجاح وأن البقاء أهم من التقدم.

لكن المشكلة ليست في الوظيفة وحدها بل في العقلية التي جعلت المجتمع يربط الكرامة فقط بالمسمى الوظيفي وكأن النجاح لا يكون إلا خلف مكتب أو داخل مؤسسة حكومية أو ببطاقة تعريف معلقة على الصدر.

لقد ربّينا أجيالًا كاملة على عبارة:
“المهم تتوظف.”
ولم نربِّهم على أن يكونوا منتجين أو أصحاب مهارة أو صناع قيمة حقيقية.

ولهذا أصبح آلاف الشباب ينتظرون سنوات طويلة وظيفة محدودة الدخل بينما ينظر بعضهم بتعالٍ إلى الحرف والمهن والعمل الحر، مع أن كثيرًا من أصحاب الحرف اليوم يحققون دخلًا يفوق أصحاب الشهادات العليا.

المفارقة المؤلمة أن المجتمع الذي يحتقر الحرفي سيضطر لاحقًا لاستيراد كل شيء من الصناعة إلى المهارة وحتى فرص العمل نفسها.

الدول لا تُبنى بكثرة الموظفين فقط بل بكثرة المنتجين. بالمهندس الذي يبتكر، والفني الذي يتقن، والحرفي الذي يبدع، والمبرمج الذي يطوّر، وصاحب المشروع الصغير الذي يبدأ من الصفر ويخلق فرصة له ولغيره.

ولا يعني هذا أن الجميع يجب أن يصبحوا تجارًا أو رجال أعمال فالمجتمع يحتاج المعلم والطبيب والباحث والموظف الكفؤ لكن الفرق الحقيقي ليس بين موظف وتاجر بل بين إنسان يمتلك قيمة حقيقية وآخر يمكن استبداله بسهولة.

الموظف الذي يمتلك مهارة نادرة وخبرة حقيقية وعقلية متطورة لا يعيش عبودية الوظيفة لأنه ببساطة يستطيع أن يفرض احترامه أينما ذهب. أما من لا يملك سوى الانتظار فسيبقى أسير الخوف من نهاية الشهر.

لقد تغير العالم، لكن بعض العقليات لم تتغير بعد. الحرفة اليوم ليست مجرد عمل يدوي متعب كما كان يُنظر إليها قديمًا، بل أصبحت اقتصاد مهارات، وتقنيات، وخدمات احترافية وأعمالًا رقمية وفرصًا قد تصنع مستقبلًا كاملًا لمن يمتلك الجرأة والإتقان.

وأنا أقول دائمًا لطلابي:
لا تجعلوا الوظيفة غاية الحياة، ولا تجعلوا الراتب سقف أحلامكم. تعلّموا مهارة، أتقنوا عملاً ابنوا لأنفسكم قيمة لا يمكن الاستغناء عنها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :