facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




السردية الأردنية: حصن الدولة ووعي الأمة في مواجهة الفوضى الرقمية


د. هاشم احمد بلص
09-05-2026 10:48 AM

في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض بالمدافع وحدها، بل بالكلمة والصورة والرواية، أصبحت “السردية الوطنية” إحدى أهم أدوات حماية الدول واستقرار المجتمعات. فالدول التي تفقد قدرتها على رواية تاريخها، وشرح مواقفها، وترسيخ هويتها، تصبح أكثر عرضة للاختراق الفكري والتشكيك السياسي والانقسام المجتمعي. ومن هنا، يبرز الحديث اليوم عن السردية الأردنية بوصفها ضرورة وطنية وقانونية وثقافية، لا مجرد خطاب إعلامي عابر.

إن السردية الأردنية ليست عملية تلميع سياسي أو إعادة إنتاج لشعارات تقليدية، بل هي رواية وطنٍ تأسس على الشرعية، والاعتدال، وسيادة القانون، والتوازن السياسي، والقدرة على الصمود في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. وهي أيضًا رواية شعبٍ آمن بدولته، وجيشه، وأجهزته الأمنية، وقيادته الهاشمية، واستطاع رغم محدودية الموارد وضغوط الجغرافيا أن يحافظ على استقرار الدولة وهيبتها.

لقد واجه الأردن عبر تاريخه تحديات جسيمة؛ من الحروب الإقليمية، إلى الأزمات الاقتصادية، وصولًا إلى موجات اللجوء والتطرف والإرهاب، ومع ذلك بقي محافظًا على مؤسسات الدولة واستمرارية النظام العام، وهي مسألة لا يمكن فهمها بمعزل عن قوة الهوية الوطنية الأردنية، وعن حالة الالتفاف الشعبي حول الدولة باعتبارها المظلة الجامعة لجميع الأردنيين.

ومن الناحية القانونية، فإن السردية الوطنية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الأمن الوطني وسيادة الدولة. فالدستور الأردني لم يكتفِ بتنظيم السلطات العامة، بل أسس لفكرة الدولة القائمة على احترام النظام العام وحماية الوحدة الوطنية وصون كرامة المجتمع. ولذلك، فإن أي محاولات تستهدف ضرب الثقة بالمؤسسات، أو نشر الفوضى الفكرية، أو بث خطاب الكراهية والانقسام، لا تُعد مجرد آراء عابرة، بل قد تتحول إلى تهديد مباشر للسلم المجتمعي وللأمن الوطني.

وفي العصر الرقمي، أصبحت المعركة أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى أدوات لتوجيه الرأي العام، وصناعة الإشاعة، والتأثير على وعي الشباب. وهنا تظهر أهمية بناء سردية أردنية حديثة، لا تعتمد فقط على استحضار الماضي، بل تنطلق نحو المستقبل بلغة يفهمها الجيل الجديد، وتخاطب العقل قبل العاطفة، وتستند إلى الحقائق لا إلى الانفعال.

إن حماية السردية الأردنية لا تعني رفض النقد أو مصادرة الرأي، فالدولة القوية لا تخشى الحوار، بل تستوعبه ضمن إطار القانون والدستور. غير أن الفرق كبير بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين الخطاب الذي يسعى إلى هدم الثقة بالدولة أو تشويه الرموز الوطنية أو زرع الانقسام داخل المجتمع. فحرية التعبير حق دستوري، لكنها ليست أداة للفوضى أو الإساءة أو التحريض.

كما أن الحديث عن السردية الأردنية لا يكتمل دون التوقف عند الدور التاريخي للقيادة الهاشمية في بناء الدولة الحديثة. فمنذ تأسيس الإمارة وحتى اليوم، ارتبطت الهوية السياسية للأردن بمبادئ الاعتدال والحكمة والانفتاح والدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي بقي الأردن يحمل تجاهها موقفًا ثابتًا يستند إلى الواجب القومي والإنساني والتاريخي.

وفي المقابل، فإن مسؤولية حماية السردية الوطنية لا تقع على الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة والإعلام، وصولًا إلى المثقف والشباب والنخب السياسية. فالسردية الوطنية الحقيقية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالوعي والانتماء والثقة والعدالة الاجتماعية.

إن الأردن اليوم بحاجة إلى خطاب وطني جديد يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويحافظ على الثوابت دون أن ينغلق عن العالم، ويؤمن بأن قوة الدولة لا تقوم فقط على الأمن، بل على العدالة وسيادة القانون وتمكين الشباب وتعزيز المشاركة السياسية والاقتصادية. فالشعوب التي تشعر بالكرامة والانتماء تصبح أكثر قدرة على حماية أوطانها من أي تهديد خارجي أو داخلي.

وفي الختام، تبقى السردية الأردنية أكثر من مجرد رواية سياسية؛ إنها قصة وطن استطاع أن يبقى ثابتًا وسط العواصف، وأن يحافظ على إنسانيته وقانونه ومؤسساته في محيطٍ مضطرب. وهي مسؤولية جيل كامل يجب أن يدرك أن حماية الوطن لا تكون فقط بحمل السلاح، بل أيضًا بحماية الوعي، وصون الحقيقة، والدفاع عن هوية الدولة وهيبتها، لأن الأوطان التي تضيع روايتها، قد تضيع معها ذاكرتها ومستقبلها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :