facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تَعجَزُ الدول عن أن تتخيّل


أ.د وفاء عوني الخضراء
09-05-2026 04:28 PM

ثمة سؤال أصبح اليوم أشدّ إلحاحاً من أيّ وقت مضى: هل ما زلنا قادرين على أن نتخيّل؟ لا أقصد التخيّل بمعناه الشاعري، بل التخيّل بوصفه مَلَكَةً سياسيةً واجتماعيةً وتنمويةً، تَفترضُ مستقبلاً مختلفاً، وتجترح طريقاً إليه.

لقد اعتدنا أن نقول إنّ المؤسسات والقطاعات تحتاج إلى قادةٍ أصحاب رؤية، غير أنّ الزمن الذي نعيشه يطالبنا بأكثر من ذلك. إنّه يطالبنا بقادةٍ مؤسسات وقطاعات يمتلكون مَلَكَة إعادة التخيّل: قدرةٌ على إعادة تخيل الموروث، وإعادة تركيبه بذكاءٍ خلّاق، وعدسةٍ مُحلّيّةٍ تتجذّر في خصوصيّة المكان وتتجنب عموميّات الشعارات.

العالم الراهن لم يَعُد فيه المستقبل امتداداً منطقيّاً للحاضر، ولم تَعُد فيه الخريطة القديمة كافيةً لقراءة الجغرافيا الجديدة. أصبح إعادة تخيّل التنمية، وإعادة تخيّل التعليم والتعليم العالي والصحة والإنتاج والتشغيل، وإعادة تخيّل لماذا نتعلّم وكيف نتعلّم وأين يأخذنا ما نتعلّم، من أبجديات استباق المستقبل وإعادة تركيبه وتصميمه وبناءه.

نعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ"فجوة التَّعلُّم العالميّة"، تلازمها فجوتان أعمق وأخطر: فجوة الفضول الخلاق وفجوة المخيّلة. لقد بدأت أدوات الذكاء الاصطناعيّ والروبوتات الحواريّة والأنطولوجيات الاصطناعية assistive agents، يالقيام بدلاً عنّا بوظائف كانت في صميم إنسانيّتنا: التساؤل، والحَيرة، والاستكشاف، وتركيب الفرضيّات، والتأمّل في الأخطاء. حين تَعهَدُ بأسئلتك إلى آلة، فأنت لا تختصر طريق الإجابة وحدها، إنما تختصر رحلة الإنسان داخلك، والخطر هنا يكمن في الأداة لحظة تنازُل الإنسان عن وظيفته الأصيلة بوصفه كائناً متسائلاً بفضول خلاق.

إلى ذلك، باتت الحدود بين الواقعيّ والافتراضيّ تتلاشى يوماً بعد يوم، حتى أصبح من الصعب أحياناً تمييز الصورة من ظلّها، والصوت من صداه، والخبر من اصطناعه. ومن هنا تنشأ مهمّةٌ جديدة على عاتق الدول والمجتمعات والمؤسسات التعليميّة: إعادة رسم حدود الواقع داخل تجربتنا المُعاشة، لئلّا نفقد القدرة على التمييز بين ما هو حقيقيّ وما هو مُعاد إنتاجه.

ولعلَّ الوجهَ الآخرَ المسكوتَ عنه في هذه المعادلة، هو ما يمكنُ تسميتُه بـاليقظةِ النقديّةِ والمسؤوليّةِ الفكريّة. فالشبابُ اليومَ غارقونَ في فيضٍ متواصلٍ من خوارزميّاتِ التواصلِ الاجتماعيّ، والسرديّاتِ السياسيّةِ المُعلَّبة، والإعلاناتِ المُحبَّكة، والمحتوى المُنتَجِ بالذكاءِ الاصطناعيّ، والخطابِ المشحونِ بالعواطفِ المصنَّعة. وقد بَيَّنَ علمُ الأعصابِ أنّ اللّغةَ المُحمَّلةَ بالانفعالاتِ تَنتشرُ أسرع، وتَترسَّخُ في الذاكرةِ أعمقَ من المعلومةِ المحايدة؛ وهو ما تستثمرُهُ المنصّاتُ الرقميّةُ بدِقّةِ صائدٍ ماهر.

ومن هنا، لم يَعُد التعليمُ يحتملُ أن يكتفيَ بتعليمِ القراءةِ والكتابةِ بمعناهما التقليديّ، بل بات مُطالَباً بأن يُعَلِّمَ الكيف عندما يقفُ أمامَ كلِّ نصٍّ وكلِّ صورةٍ وكلِّ منشور، فيسألَ نفسَه: مَن أنتجَ هذا الكلام؟ وما الافتراضاتُ المُضمَرَةُ فيه؟ وما الذي يُسلَّطُ عليه الضوء، وما الذي يُخفى في الظِّلّ؟ وأيُّ انفعالٍ يُرادُ هندستُهُ في داخلي؟ وأيُّ الأصواتِ غُيِّبَت من المشهد؟ وكيف تُشكِّلُ الصياغةُ نفسُها الإدراكَ والوَعي؟

هذه ليست تمارينَ بلاغيّةً مُترَفة بقدر ما هي ثقافةُ مواطَنةٍ معرفيّة يحتاجُها كلُّ فردٍ ليعيشَ في عصرِ ما بعدَ الحقيقة. إنّ القراءةَ والكتابةَ في المستقبلِ القريبِ ستتّسعانِ لتشملا ما هو أبعدُ من الحرف: تحليلَ الخطاب، وفهمَ آليّاتِ التأطير، ومعرفةَ منطقِ الخوارزميّات، وقراءةَ السرديّاتِ بين السطور، والحساسيّةَ الدلاليّةَ العابرةَ للثقافات. ومن دونِ هذه المهارات، يَمشي الإنسانُ في عالمنا الجديدِ كمن يَعبرُ بحراً واسعاً بلا بوصلة، ظانّاً أنّه يَختارُ وجهتَه، وهو في حقيقةِ الأمرِ يُساقُ إليها سَوقاً.

غير أنّنا، في خضمّ هذه التحوّلات، ما زلنا ننظر إلى التنمية والتحديث بعين الأمس: عينٌ تُنفِق المخصّصات على المؤتمرات الفخمة، وورش العمل المتكرّرة، والبنية التحتيّة السطحيّة ذات الواجهات اللامعة. لقد كانت هذه المقاربة ضروريّةً في مرحلتها، لكنّها اليوم استنفذت دورها، وأصبحت عبئاً لا رافعةً، واستهلاكاً لا استثماراً وهدرًا لا فرصةً. وفي زمنٍ كان فيه الخطاب وحده كافياً لتحريك الناس، تَكفي المنابر وكلمات الخبراء؛ أمّا الآن فقد انتقل ميزان الأشياء من القول إلى الممارسة، ومن الرَّطانة إلى (البراكسيس): أي الفعل والممارسة المُتَّحد بالفكرة.

ولا يَخفى على متابعٍ أنّ المؤسسات الدوليّة المانحة، وهي تحاول جاهدة أن تؤدّي دوراً لا يُستهان به في دعم التحديث، اعتادت تاريخيّاً أن تُؤطِّر أثرها عبر فعاليّاتٍ مهرجانية تُبرز اسمها وعلامتها. وهذا الإسهام يبقى محلَّ مبرر في سياقه، غير أنّ لحظتنا الراهنة تستدعي أدواتٍ مغايرة لبناء الصورة وصياغة الأثر: أدواتٍ خلّاقةً، فاعلةَ الكلفة، تستثمر في الفِعل الحقيقيّ والأثر اليقيني لا في تأثيث المنصّات.

ها هنا تتكشّف المعادلة الكبرى: حين نُعيد تخيّل أدواتنا، نضيّق الفجوة بين الجائع والمُتْخَم، وبين المحتاج والمُكتفي، وبين مَن يَملكُ الصوت دون أثر ومَن يصنع الأثر دون صوت. إنّ اختزال هذه الفجوات هو الجوهر الأخلاقيّ للتنمية الجديدة، وهو الجواب الحقيقيّ على سؤال: لماذا نَتَعَلَّم أصلاً؟

نحن إذاً أمام منعطفٍ حضاريّ لا يحتمل التردُّد. فالدول التي ستزدهر في العقد القادم ليست تلك التي تَملك أكبر بنيةٍ تحتيّة، بل تلك التي تَملك أعمق مَلَكَةٍ لإعادة التخيّل؛ تلك القادرة على أن ترى ما لم تَرَه بعد، وتُسمّيه، وتَبني له طريقاً.

والسؤال الذي يجب أن يُؤرّقنا اليوم ليس: ماذا نَفعل؟ بل: ماذا نَتَخيَّل؟ فالأمم التي عَجَزَت عن أن تتخيّل، قَنَعَت دائماً بما رَسَمَه لها الآخرون. وأصعب أنواع الاستلاب هو ذاك الذي يَمسّ مَلَكَة الخيال المبني على اليقين وحكمته؛ لأنّه يجعل المرء يعيش في حدود مستقبلٍ صَنَعَه له غيره، ويظنّ أنّه حُرّ.

لِنُعِد للخيال مكانته. فما كان الإنسان عظيماً إلّا حين تجرّأ على أن يتخيّل عالماً مختلفاً وقيميًا، ثم سار إليه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :