أصحاب الخطوط الحمراء .. الوقت ينفد
د.سالم الدهام
10-05-2026 12:46 AM
الخط الاحمر الحقيقي الذي تصر النخبة السياسية المترجلة عن المسوح والدراسات والإحصائيات والمنطق، والمنفصلة عن الواقع، الموغلة في استغبائنا على تجاهله تماما هو خط الفقر والبطالة... الأرقام مرعبة والمستقبل هو ما تشير إليه تلك الأرقام لا ما روجوا له بشعارات تخلو من المسؤولية ومن الضمير؛ فالأيام الأجمل التي قيل إنها ستأتي لم تأت بعد، والمخاض الذي كان قد وصل إلى عنق الزجاجة عاد إلى قعرها، والأحزمة التي شدت على البطون ذات مخمصة وقيل إنها ستزول ما زالت تخنق الأغلبية الصابرة المحتسبة... تبخرت كل تلك الشعارات لأنها – وبكل بساطة شعارات تكتيكية كاذبة، الهدف منها حرق المراحل والانتقال لمراحل أخرى، وهكذا تتراكم الشعارات، ويتراكم معها الفقر والبطالة، ومعهما يقل صبر الأردنيين المحبين لوطنهم ومليكهم... وبالرغم من ذلك ما زال نفر من الموغلين في الترف... الذين حازوا في بطونهم ثلاثة أثلاث الأضحية ولم يتركوا لغيرهم لا الأحشاء ولا الأطراف ولا حتى الجلد يروننا في نعمة تستحق الحمد والشكران، فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وإن أكبر نعمة هي غيابهم الأبدي عن المسرح السياسي العام.
إن الإصلاح بعيدا عن هرطقات هؤلاء ليس عملية مستحيلة إن وجدت الإرادة الحقيقية والعزيمة الصادقة، ولكنه في الوقت نفسه ليس مجرد شعارات مفرغة من مضامينها يطلقها الانتهازيون للعبور من مرحلة إلى أخرى، كما أن تأجيل الإصلاح يفاقم الأزمة، ويرفع الكلف والأثمان مستحقة الدفع، ويهدد المستقبل، وهو يدفع الناس الذين وصلوا حافة الهاوية إلى القفز الحر ... ومن ثم لابد من ترك شيء بين أيدي الناس يخافون عليه ويخشون فقدانه ويدافعون عنه... ولابد أيضا من أن تضرب النخب السياسية العرجاء التي تقود المشهد الاقتصادي والاجتماعي نحو التأزيم لعقود خلت مثلا أعلى وقدوة حسنة في التنازل عن قليل مما بين أيديهم من المكتسبات التي حققوها في ظل غفلة من الضمير، وفائض من القوة والنفوذ الذي نبت على هوامش معتمة على حساب الأغلبية الساحقة الجائعة المتعطلة عن العمل ... لا بد أن يحصل مثل التنازل ليتعزز الإيمان بمفهوم التكافل، ولكي لا يكون الحديث عن العدالة وحق العيش بكرامة وهماً لمداعبة الأخيلة وجبر الخواطر، ولكي لا يتبخر مفهوم الأسرة الأردنية الواحدة الذي يشكل لبنة أساسية في الرؤى الملكية السامية لسيرورة الحياة الاجتماعية والاقتصادية... لأجل ذلك لابد من فهم الرؤى الملكية وترجمتها بكل أمانة ومصداقية.
لقد تبخرت كل تلك الشعارات الخادعة، وانكشفت سوءات من أطلقوها وعوراتهم، ووقفنا وإياهم أمام الحقيقة المرعبة واضحة عارية من أي قناع، لكنهم ما زالوا يصرون على العبث بالعقول، ويعولون على المخزون الاستراتيجي من الصبر... وها نحن نقف جميعا اليوم أمام أرقام ناطقة بمضامينها التي لا تسر أحدا باعتبارها مؤشرات مادية ملموسة على نتائج خطط تنموية استراتيجية لم تثمر، وسياسات تنفيذيه أرهقت البلاد والعباد طوال العقود الماضية وما تزال...
وعودا إلى ما تمت الإشارة إليه آنفا فإن البيانات الرسمية الصادرة عن جهات رسمية تشير إلى أن نسبة البطالة بين الأردنيين الذكور أكثر من 21% بشكل عام، وهي بين الإناث أعلى من ذلك بكثير؛ إذ تصل إلى أكثر من 35% ... ونسبة المتعطلين عن العمل من حملة الثانوية العامة فأعلى 54.5 %بينما هي ممن دون الثانوية 44.5% ... وتشير إحصائيات أخرى إلى أن النسب بين المتعلمين ممن يحملون مؤهلات علمية (ثانوية عامة فأعلى) 64% بينما هي بين غير المتعلمين دون الثانوية العامة 46% وتشير الإحصائيات ذاتها إلى ارتفاع معدل العمالة الوافدة في السوق الأردني إلى حوالي 44% من إجمالي العاملين في مختلف القطاعات كالخدمية والإنشائية وغيرها.
أما عن نسب الفقر وهو نتيجة طبيعية للبطالة فهو يتخطى حاجز الواحد وعشرين في المئة بحسب تقديرات محلية، في حين تشير جهات دولية كمعهد واشنطن و"تريدنغ إيكونوميكس" أنه أكثر من ذلك بكثير. في حين يذهب مراقبون ومحللون بعيداً إلى حد الحديث عن نسبة تقدر بـ40 في المئة.
وبموازاة هذا الواقع العام الذي يعاني من تشوهات اقتصادية عميقة لعل من أبرز مظاهرها الفقر والبطالة، وما يتبع ذلك من تشوهات اجتماعية انعكست في حرمان فئات كثيرة من الصحة والتعليم، وتدني معدلات الزواج، وارتفاع نسبة العنوسة، وعزوف الشباب عن الزواج وهي بلا شك مشكلات تخلخل استقرار المجتمع وتزعزع أمنه وتدفعه دفعا نحو الهروب إلى المخدرات وعالم الجريمة- وبموازاة هذا الواقع البئيس ثمة من أنعم الله عليهم من غير المغضوب عليهم ولا الضالين، يستأثرون بفائض من الثروة يكفي لحل مشكلة البطالة بالكامل، أولئك هم منسوبو الهيئات المستقلة الذين لم تجرؤ حكومة من الحكومات على مناقشة وجودهم في ظل أوضاع اقتصادية خانقة لا يستقيم معها وجودهم بهذه الامتيازات التي يتنعمون بها في بلد منهك.
تشير الأرقام والإحصائيات الرسمية المعلن عنها أن النفقات الجارية المترتبة على وجود الهيئات المستقلة من رواتب وأجور وخلافه تبلغ حوالي مليار وثمانمئة مليون دينار، وتبلغ الإيرادات المتوقعة لهذه الهيئات مجتمعة في الموازنة حوالي مليار دينار؛ بمعنى أنها لا تكاد تغطي نصف كلفتها التشغيلية. ومما سبق يتضح أن الجدوى الحقيقية تكمن في دمج هذه الهيئات بالوزارات القريبة منها في الاختصاص وضمها إليها، لا بالإبقاء عليها.
فمن المعلوم أن عدد منسوبي هذه الهيئات حوالي أحد عشر ألف شخص ...فلو تم دمج تلك الهيئات، وفي الوقت نفسه تم تخفيض متوسط رواتب موظفيها إلى ألف دينار، فإن إجمالي رواتب هؤلاء سيكون بحدود أحد عشر مليون دينار شهريا، وحوالي مئة واثنين وثلاثين مليون دينار سنويا، وبعد طرح هذا المبلغ من المجموع الكلي للنفقات الجارية للهيئات المستقلة التي ستتوفر بعد الدمج فسيتحقق لدينا وفر مالي مقداره حوالي مليار وستمئة وثمانية وستين مليون دينار، وفي حال تم توجيه هذا المبلغ لتوظيف المتعطلين عن العمل برواتب ثلاثمئة وخمسين دينار شهريا، فإن المبلغ المتوفر سيكون كافيا لتشغيل قرابة أربعمئة ألف موظف عاطل عن العمل، وهذا الرقم يساوي تقريبا عدد المتعطلين عن العمل الذي يدور في فلك الأربعمئة الف شخص...
الأمر الذي يعني أن دمج الهيئات المستقلة في سلم رواتب الدولة مع تمييز مجز ومقبول لصالحهم يتجاوز حاجز ال45% زيادة على متوسط رواتب موظفي الحكومة الآخرين من المغضوب عليهم الذي يبلغ حوالي خمسمائة وخمسين دينار، وفي حال تم تطبيق ذلك دون أي التفافات كفروق التسكين وخلافه، فإن مثل هذه الهيكلة، مع عدم التوسع في شراء الخدمات كفيلة بحل مشكلة البطالة تماما، أما الأحد عشر ألف موظف الذين سيلتحقون بالوزارات فهم جزء لا يتجزا من القطاع العام الذين يقدر عدد موظفيه بنحو 223 ألف موظف وفقاً لبيانات مطلع عام 2025، وفي يقيني أن منسوبي الهيئات المستقلة سيعارضون هذا الأمر في البداية لكنهم سيتقبلونه في النهاية من باب المسؤولية الوطنية والاجتماعية ، ولا أظنهم يقبلون وهم أقلية لا تزيد عن 5% من القوى العاملة أن يشبعوا على حساب الأكثرية الساحقة الجائعة المتعطلة عن العمل.
وفي كل الأحوال فإن الحق لا يكون إلا حيث تكون مصلحة السواد الأعظم من الناس، ولا يخفى على أحد ما بتنا نرى من فجوة هائلة بين الأغلبية الساحقة من المجتمع وبين فئة قليلة استأثرت بكل شيء، وكأنهم يطبقون قول الله عز وجل : "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله" وحاشا لله أن يكون ذلك بإذنه تعالى... حمى الله الأردن أرضا وقيادة وشعبا ممن حلبوا ضرع الوطن فلما أوشك أن يجف عزموا أن يأكلوه.