من ثقافة الإغاثة إلى مشروع وطني للتنمية المستدامة
د. حسين سالم السرحان
10-05-2026 11:22 AM
* إطلالة من بوابة العمل الاجتماعي في الأردن
شهدت المملكة خلال العقود الماضية توسعًا ملحوظًا في عدد الجمعيات والمؤسسات الخيرية والتنموية، حيث تشير بيانات رسمية إلى وجود آلاف الجمعيات المسجلة التي تعمل في مجالات الرعاية والتنمية وتمكين المرأة والشباب ومكافحة الفقر ودعم التعليم والصحة. غير أن هذا الاتساع الكمي لم ينعكس دائمًا بصورة نوعية على مستوى التأثير، بسبب غياب قواعد بيانات موحدة، وضعف التنسيق، وتكرار البرامج، وارتباط بعض المبادرات بردود الفعل الآنية أكثر من ارتباطها بخطط تنموية طويلة الأمد. كما أن جزءًا من العمل الاجتماعي بقي رهينة الاجتهادات الفردية أو التمويل المؤقت، مما أوجد حالة من التفاوت والارتجال في الخدمات المقدمة للمجتمع.
فالعمل الاجتماعي لم يعد ترفًا مؤسساتيًا أو نشاطًا خيريًا محدود الأثر، بل أصبح ضرورة وطنية تتصل مباشرة باستقرار المجتمع وقدرته على مواجهة التحولات الاقتصادية والثقافية المتسارعة. فالتحديات التي فرضتها البطالة، واتساع الفجوة الاجتماعية، وتغير أنماط الحياة، والهجرة الداخلية والخارجية، والضغوط الاقتصادية المتراكمة، كشفت أن السياسات الاجتماعية التقليدية لم تعد كافية وحدها لإنتاج تنمية حقيقية أو حماية الفئات الأكثر هشاشة. ولهذا فإن اليوم العالمي للعمل الاجتماعي يجب ألا يتحول إلى مناسبة بروتوكولية عابرة، بل إلى لحظة مراجعة وطنية جادة تعيد تعريف مفهوم العمل الاجتماعي بوصفه شريكًا في صناعة السياسات، لا مجرد منفذ للإغاثة أو المساعدات الموسمية.
إن الأردن اليوم بحاجة إلى الانتقال من مفهوم “الرعاية الاجتماعية” إلى مفهوم “الهندسة الاجتماعية التنموية”، أي بناء سياسات تعتمد على قياس الأثر الحقيقي للمبادرات، وربط الدعم الاجتماعي بالإنتاج والتعليم والتأهيل المهني والصحة النفسية والتمكين الاقتصادي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مبادرة وطنية شاملة تقودها الحكومة بالشراكة مع الجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني الوطنية، تهدف إلى إعادة تقييم قطاع العمل الاجتماعي بالكامل، ليس من حيث عدد الجمعيات فقط، بل من حيث كفاءة الأداء، وشفافية التمويل، وقدرته على تحقيق تنمية مستدامة، خاصة بعد أن شهدت البلاد تناميًا ملحوظًا في بعض الظواهر الاجتماعية الخطيرة، مثل العنف الأسري، والمخدرات، والتهميش الاجتماعي، وغيرها من الآفات التي ارتفعت معدلاتها كمًا ونوعًا خلال السنوات الأخيرة.
إن تقدم الحماية الاجتماعية في الدول لا يُقاس بعدد المؤسسات الخيرية فيها، بل بقدرتها على تحويل التضامن الإنساني إلى سياسات عادلة تصنع الفرص وتحفظ الكرامة والأمن الاجتماعي والإنساني. فالعمل الاجتماعي الحقيقي لا يقتصر على توزيع المساعدات، بل يبدأ من بناء الإنسان القادر على المشاركة والإنتاج والشعور بالأمان والانتماء. وفي ظل ما يواجهه الأردن من تحديات، فإن الاستثمار في العمل الاجتماعي لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية لحماية المجتمع وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن على أسس أكثر عدالة وإنسانية واستدامة.
إنها دعوة صادقة لكل المعنيين في مؤسسات الدولة وسلطاتها، للمواجهة والمراجعة والتقييم بكل موضوعية وواقعية لكافة البرامج والمبادرات الوطنية في مجالات العمل الاجتماعي، بما يضمن الانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى صناعة تنموية مستدامة تحفظ الإنسان وتصون كرامته وتؤسس لمستقبل أكثر توازنًا واستقرارًا.