المؤتمر الثامن لفتح .. معركة وراثة السلطة وخطر التحول إلى هيكل بلا مشروع
سمير حمدان - بودابست
10-05-2026 02:52 PM
* هل تنقذ فتح نفسها قبل أن تتحول إلى ذاكرة سياسية؟
فتح لا تواجه اليوم خلافًا تنظيميًا عابرًا، بل تقف أمام لحظة قد تحدد إن كانت ستبقى حركة تحرر قادت الفلسطينيين لعقود، أم تتحول إلى بنية سياسية تعيش على إرثها القديم فقط، لأن أخطر ما يصيب الحركات التاريخية ليس الهزيمة العسكرية، بل أن تفقد قدرتها على إقناع شعبها بأنها ما تزال تملك مستقبلًا يمكن الدفاع عنه.
المؤتمر الثامن يأتي بينما يشعر الفلسطيني أن نظامه السياسي يشيخ بسرعة، في وقت تدخل فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، فإسرائيل تنتقل نحو تطرف غير مسبوق، والاستيطان يبتلع الضفة، والانقسام الفلسطيني يتحول إلى حالة دائمة، فيما تبدو الحركة غارقة في إدارة النفوذ الداخلي أكثر من انشغالها بإعادة بناء المشروع الوطني.
المفارقة التي يصعب تجاهلها أن حركة عمرها ستون عامًا لم تعقد سوى سبعة مؤتمرات، ثم يأتي المؤتمر الثامن متزامنًا مع ذكرى النكبة وقيام إسرائيل، وقد يراه البعض تفصيلًا عابرًا، لكن الحركات التي تفقد حساسيتها تجاه الرموز والتاريخ تبدأ غالبًا بفقدان قدرتها على قراءة التحولات داخل مجتمعها أيضًا.
المشكلة أن الحركة التي أعادت للفلسطينيين فكرة القرار الوطني المستقل لم تعد تبدو كتنظيم يعيش على فكرة التحرر بقدر ما تبدو كبنية سلطة مغلقة، ولهذا يشعر كثير من أبناء الحركة أن المؤتمر لا يُعقد لإنتاج رؤية جديدة، بل لإعادة ترتيب مراكز القوة نفسها، عبر تقليص دوائر المعارضة، وإعادة تدوير الشخصيات المرتبطة بسنوات الانقسام والجمود والتنسيق الأمني.
الأخطر أن النقاش داخل الحركة لم يعد يدور حول برنامج سياسي أو استراتيجية مواجهة، بل حول من يرث النظام الفلسطيني نفسه، ومع اتساع نفوذ الدائرة المحيطة بالرئاسة تتصاعد المخاوف من انتقال الحركة تدريجيًا من منطق الشرعية النضالية إلى منطق حماية النفوذ، وهي لحظة قاتلة لأي حركة تحرر، لأن التنظيمات تبدأ بالتآكل عندما يشعر الناس أن الصعود داخلها لم يعد مرتبطًا بالتاريخ أو الكفاءة، بل بالقرب من مراكز القرار.
ويزداد هذا المشهد خطورة عندما تتحول عبارة “قال لي الإسرائيليون، وقال لي الإسرائيليون” إلى جزء متكرر من الخطاب السياسي داخل مركز القرار، لأن المشكلة هنا ليست في العبارة نفسها، بل في التحول الذي تعكسه، حيث لم تعد العلاقة مع الاحتلال تُطرح بوصفها مواجهة مفتوحة مع مشروع استيطاني، بل كإدارة يومية لتوازنات أمنية وسياسية معقدة، وهنا تبدأ الحركات بفقدان معناها حتى لو احتفظت بأسمائها القديمة.
هذا المسار عرفته حركات تحرر كثيرة بعد وصولها إلى السلطة، حين تتحول الشرعية التاريخية تدريجيًا من مصدر للتجديد إلى أداة لحماية النظام القائم، وتتحول الثورة إلى أرشيف يُستخدم لحماية سلطة فقدت قدرتها على إنتاج المستقبل.
الخطر الحقيقي أن فتح لم تعد تواجه أزمة قيادة فقط، بل أزمة شرعية ومعنى، لأن الجيل الفلسطيني الذي وُلد بعد أوسلو لا يرى نفسه داخل البنية الحالية، ولا يشعر أن النظام السياسي يفتح الباب أمام مشاركة حقيقية أو تداول فعلي للسلطة، ومع استمرار هذا الانغلاق تتحول الأزمة من أزمة تنظيم إلى أزمة وطنية تهدد ما تبقى من ثقة الفلسطينيين بفكرة المشروع الوطني نفسه.
إنقاذ الحركة لن يتحقق عبر إعادة توزيع المواقع داخل اللجنة المركزية، بل عبر فصل الحركة عن منطق السلطة المغلقة، وإعادة بناء الشرعية من القاعدة الشعبية لا من شبكات النفوذ، وفتح الباب أمام انتخابات داخلية حقيقية، وتجديد الخطاب السياسي بما يعيد ربط الحركة بجيل فلسطيني وُلد خارج لغة أوسلو وتوازناتها، لأن أي محاولة لإدارة مرحلة ما بعد عباس بالعقلية نفسها لن تنتج استقرارًا، بل ستؤجل الانفجار فقط.
ولهذا فإن قيمة المؤتمر الثامن لن تُقاس بعدد أعضاء اللجنة المركزية أو بحجم التفاهمات الداخلية، بل بقدرته على الاعتراف بأن النموذج القائم استُنزف، وأن الحركة لا تستطيع النجاة بقوة التاريخ وحده، لأن التنظيمات لا تسقط عندما يشيخ قادتها فقط، بل عندما يتحول بقاؤها في السلطة إلى هدف أهم من القضية التي وُلدت من أجلها .