وماذا عن "الخروف الأردني"؟
د. سعيد المومني
11-05-2026 06:42 PM
انشغلت السوشال ميديا، وانشغلت معها المنصات الإعلامية والنواب والمصادر المسؤولة، بقصة الخراف السورية ورسوم العبور والترانزيت: هل فُرضت؟ كم بلغت؟ ومن حول شحناته إلى طريق آخر؟ وكأن البلد كله توقف فجأة عند رأس خروف عابر للحدود.
حسناً، لا أحد ينكر أهمية تجارة الترانزيت، ولا أحد يقلل من قيمة أي إيراد يدخل خزينة دولة مأزومة اقتصادياً. الأردن بلد يعاني، والخزينة تبحث عن أي متنفس، والتجارة العابرة ليست تفصيلاً صغيراً. لكن السؤال المؤلم هنا: إذا كنا قد انتفضنا كل هذا الانتفاض من أجل خروف سوري عابر، فماذا عن "الخروف الأردني" المقيم لا العابر؟
ماذا عن المواطن الأردني الذي يدفع فاتورة الماء كأنها غرامة، وفاتورة الكهرباء كأنها عقوبة، والبنزين محملاً بالرسوم والضرائب حتى صار التنقل نفسه ترفاً؟ ماذا عن الأردني الذي يدفع ضريبة على دخله، وضريبة على استهلاكه، ورسوماً على معاملاته، وكلفاً على سيارته، وعلى بيته، وعلى هاتفه، وعلى صبره أيضاً؟ كم بنداً من الرسوم والضرائب يحملها هذا "الخروف الأردني" قبل أن يصل آخر الشهر منهكاً لا يعرف هل نجا أم تأجل ذبحه إلى شهر جديد؟
لا أحد يقول إن الضرائب والرسوم بدعة أو شرّ مطلق؛ فالدولة لا تقوم بلا إيرادات، والخدمات لا تُمول بالأمنيات. لكن السؤال العادل والبسيط: هل تتناسب هذه الضرائب والرسوم مع مستوى الخدمات التي يتلقاها المواطن؟ وهل تتناسب مع دخله وقدرته الشرائية؟ وهل يشعر الأردني، حين يدفع، أنه يمول خدمة عامة تعود عليه، أم أنه يسد عجزاً مفتوحاً في خزينة لا تكف عن طلب المزيد؟
المشكلة ليست في رسم هنا أو إجراء هناك. المشكلة أننا ندور في حلقة مفرغة منذ سنوات. حكومات تأتي وتعد، وحكومات ترحل وتترك الوعود معلقة على الجدران. نتذكر حكومة جاءت بعد غضب الشارع، وتحدثت عن وعود وإصلاحات، ثم ماذا تحقق؟ ونتذكر حكومات رفعت شعارات الإنقاذ والإصلاح والتحديث، فيما المديونية تكبر، والبطالة تضغط، والأسعار تسبق الرواتب، والطبقة الوسطى تتآكل، والثقة العامة تتراجع.
الشارع ليس بخير. وهذه ليست جملة عاطفية ولا مبالغة معارضة. حتى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، بما تمثله من مرجعية دولية في الحوكمة والسياسات العامة، تنبّه إلى أن انخفاض الثقة العامة يهدد فاعلية الحكم، خصوصاً في أوقات الأزمات. فحين يصبح التذمر لغة يومية، وحين يتحول كل قرار إلى مادة غضب، وحين لا يصدق الناس الرواية الرسمية ولو كانت صحيحة، فنحن أمام أزمة خطيرة لا أمام سوء مزاج عابر.
المجتمعات لا تنفجر دائماً من الجوع وحده، بل من شعورها بأن لا أحد يسمعها، وأنها تدفع وحدها كلفة أخطاء لم تصنعها. المواطن حين يفقد ثقته بالرواية الرسمية، لا يعود ينتظر التوضيح، بل ينتظر المفاجأة التالية. وحين تصبح العلاقة بين الدولة والناس محكومة بالفاتورة لا بالثقة، وبالجباية لا بالخدمة، وبالوعد لا بالإنجاز، فإن أي تفصيل صغير يكفي ليكشف حجم الاحتقان الكبير.
نسمع جعجعة كثيرة ولا نرى طحناً. إصلاح، تحديث، خطط، لجان، استراتيجيات، ثم يعود المواطن إلى بيته ليسأل: هل انخفضت فاتورتي؟ هل تحسن دخلي؟ هل صارت الخدمة أفضل؟ هل صار القانون أعدل؟ هل صار الفاسد أخوف؟ هل صار المستقبل أقل قسوة على أبنائنا؟
ناقشوا يا سادة الخراف السورية كما تشاؤون، لكن تذكروا "الخروف الأردني". فهو لا يملك طريقاً بديلاً، ولا ميناءً آخر، ولا ترانزيت يهرب إليه. هو هنا، مربوط إلى آخر فاتورة، وآخر ضريبة، وآخر وعد حكومي.
ومثل ما بقول المثل: الخروف ما بسأل عن السكين .. بس بسأل مين ماسكها؟