facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أخطر لحظة في عمر الدول .. حين يصبح الوطن فكرة خاسرة والخروج خيارًا عقلانيًا


سمير حمدان - بودابست
13-05-2026 10:39 AM

لا تدخل الدول طور الشيخوخة عادة عند لحظة الهزيمة العسكرية، بل عند نقطة أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا، حين يبدأ الأفراد في تقييم البقاء داخل الدولة كخيار أقل جدوى من الخروج منها، ففي هذه اللحظة يتحول الانتماء من رابطة اجتماعية إلى قرار عقلاني تحكمه حسابات الفرصة والمخاطر، وتبدأ فجوة الثقة بين الدولة ومواطنيها بالاتساع بطريقة يصعب عكسها لاحقًا، لأن الدول لا تخسر نفسها أولًا في الحروب، بل حين تفقد قدرتها على إقناع أبنائها بأن المستقبل داخلها ما يزال يستحق الرهان.

هذه اللحظة لا تشبه صور الانهيار التقليدي، فلا دبابات في الشوارع، ولا أعلام تُنزَل عن المباني الرسمية، ولا بيانات تعلن النهاية، ومع ذلك تكون الدولة قد دخلت أخطر مراحل الشيخوخة السياسية، حين يتحول الوطن تدريجيًا من مشروع جماعي إلى عبء فردي، ومن مساحة للانتماء إلى محطة مؤقتة بانتظار فرصة للمغادرة، وهنا لا تعود الأزمة اقتصادية أو سياسية فقط، بل تتحول إلى أزمة معنى، لأن الدولة التي تفشل في إنتاج الأمل تبدأ بخسارة روحها حتى لو حافظت على مظاهر القوة والاستقرار.

يمكن فهم هذه الديناميكية عبر ثلاث آليات مترابطة، أولًا، اهتزاز الثقة بالقانون والقواعد، فضعف اتساق تطبيق القانون أو تقلب السياسات يرفع كلفة عدم اليقين، ويدفع الأفراد والشركات إلى إعادة تقييم المخاطر ونقل قرارات الاستثمار والعمل إلى بيئات أكثر استقرارًا، وثانيًا، اختلال الحوافز، فعندما تتقدم شبكات الولاء على الكفاءة، ينخفض العائد المتوقع من الجهد والإنتاجية، ويتحول السلوك العقلاني نحو البحث عن أنظمة تكافئ الأداء، والنتيجة لا تكون فقط تراجع الكفاءة، بل نزيفًا تدريجيًا في رأس المال البشري .

وثالثًا، تقلص الأفق الزمني، فالدول لا توفر دخلًا وخدمات فقط، بل أفقًا يمكن التخطيط ضمنه، وعندما يصبح المستقبل غير قابل للتنبؤ، يتحول الأفراد إلى تعظيم النجاة قصيرة المدى بدل الاستثمار طويل الأمد داخل الدولة، وهنا تبدأ المجتمعات بخسارة الرابط النفسي الذي يجعل الناس مستعدين للدفاع عن أوطانهم والصبر على أزماتها .

وقد التقط ابن خلدون هذه الديناميكية مبكرًا حين تحدث عن انتقال الدول من العصبية المؤسسة إلى الترف ثم إلى الانفصال عن المجتمع، وما كان يصفه لم يكن مجرد فساد إداري، بل تحوّل السلطة من إطار لإنتاج الشرعية إلى منظومة لحماية الامتيازات، وعندما يصبح القانون أداة لحماية النفوذ بدل تحقيق العدالة، تبدأ الدولة بفقدان معناها الأخلاقي حتى لو احتفظت بمؤسساتها وأجهزتها .

لكن القرن الحادي والعشرين أضاف بُعدًا أكثر تعقيدًا لهذه الأزمة، لأن الاقتصاد الرقمي فكك العلاقة التقليدية بين الإنسان والجغرافيا، فالمبرمج الذي يعمل عن بُعد لشركة في سنغافورة، والطبيب الذي ينتقل بين أنظمة صحية مختلفة، ورائد الأعمال الذي يدير نشاطه عبر الحدود الرقمية، جميعهم يعيدون تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، ولهذا لم تعد الدول تتنافس فقط على جذب الاستثمار، بل على الاحتفاظ بالعقول والكفاءات ومنع هروب الأمل نفسه .

في هذا السياق لم تعد الهجرة مجرد ظاهرة ديموغرافية، بل تحولت إلى استفتاء صامت على كفاءة الدولة وقدرتها على إنتاج المستقبل، وتحويلات المهاجرين التي تجاوزت ٨٥٠ مليار دولار عالميًا خلال عام ٢٠٢٤ بحسب البنك الدولي ليست مجرد أموال تعبر الحدود، بل مؤشر على انتقال الثقة من الداخل إلى الخارج .

ولهذا فإن أخطر لحظة في عمر الدول ليست لحظة الحرب، بل اللحظة التي يصبح فيها الوطن مشروعًا خاسرًا في نظر أبنائه، لأن الدولة التي تحتاج إلى الخوف أكثر من حاجتها إلى الثقة تكون قد بدأت فعليًا بخسارة روحها، والدول التي يخاف الناس البقاء فيها أكثر مما يخافون مغادرتها تكون قد دخلت بالفعل مرحلة الانهيار، حتى لو بقي علمها مرفوعًا وحدودها مستقرة ومؤسساتها تعمل بكامل طاقتها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :