facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العنقاء .. في داخلنا


الدكتور مهند النسور
13-05-2026 01:47 PM

في صباحٍ مثقلٍ، كعادته، بأخبار العالم، توقفتُ طويلًا أمام خبرٍ عن غزة. لم يكن الخبر هذه المرة عن ركامٍ جديد، ولا عن انتشار مرضٍ، ولا عن انقطاع ماءٍ أو كهرباء، بل عن افتتاح مكتبة جديدة في قلب المدينة المنهكة، أطلق عليها أهلها اسم “مكتبة العنقاء”. مكتبة تضم أكثر من ستة آلاف كتاب أُنشئت بعد الحرب الأخيرة على غزة مما تم إنقاذه من كتب، وكأن القائمين عليها أرادوا أن يقولوا للعالم: نحن، كطائر العنقاء، ننهض من الرماد كل مرة، ونعود للحياة كلما ظنّ الآخرون أننا انتهينا. ليقينهم أن المعرفة شكلٌ من أشكال النهوض، وأن الكتاب إعلانٌ بالبقاء.

بالتأكيد لم يكن اختيار اسم “العنقاء” صدفة.. ففي فلسطين، لا يبدو النهوض فعلًا استثنائيًا، بل جزءًا من الهوية نفسها. هناك شعوب تنجو، وهناك شعوب تُعيد بناء الحياة والمعنى بعد كل خسارة. ولهذا لم تكن المكتبة مجرد مكان للكتب، بل رسالة حضارية تقول إن الإنسان لا يعيش بالنجاة وحدها، بل بما يصنعه بعد الألم.

وفي ذات اليوم، وصلتني هدية صغيرة لكنها عميقة المعنى؛ قطعة تطريز فلسطيني تحمل صورة طائر العنقاء. شعرتُ أنها لم تكن مجرد هدية فنية، بل رسالة.. رسالة تقول إننا جميعًا، في تفاصيل حياتنا الصغيرة والكبيرة، نشبه هذا الطائر أكثر مما نظن. نخوض معارك قد لا يراها أحد، وتمرّ بنا لحظات تترك أثرها في أرواحنا، ثم نبعث من جديد دون ضجيج، أقوى وأكثر نضجًا، حاملين تجاربنا وأحلامنا المؤجلة، وإيماننا بأن القادم يستحق المحاولة… كطائر العنقاء..

ولعل ما ميز تلك الهدية أنها جاءت بتطريز فلسطيني، وكأنها تجمع بين رمزين متشابهين؛ فكما تحفظ الكتب الذاكرة والمعرفة، يحفظ التطريز الفلسطيني الهوية والحكاية. فكلاهما شكلٌ من أشكال البقاء، وكلاهما يقول إن الشعوب الحياة لا تسمح للزمن أو للحروب أن تمحو ملامحها..

ولمن لا يعرف طائر العنقاء، فهو طائر أسطوري قديم ظهر في حضارات متعددة، ويرمز إلى الخلود والتجدد والانبعاث. تقول الأسطورة إنه عندما يشيخ ويحترق، يولد من رماده طائر جديد أكثر قوة وحياة. ولذلك أصبح رمزًا للأمل بعد الألم، وللقدرة على البدء من جديد مهما بلغت قسوة الظروف.

ولعل أجمل ما في الحكاية أن غزة لم تختر اسم “العنقاء” عبثًا، ولم تُنشئ مكتبة وسط الركام من باب الترف الثقافي، بل من إيمانٍ عميق بأن المعرفة شكلٌ من أشكال المقاومة، وأن بناء الإنسان يبدأ دائمًا ببناء الوعي. لربما تستطيع الحروب أن تهدم البيوت، وأن تترك المدن مثقلةً بالرماد، لكنها تعجز عن هزيمة فكرة، وتعجز أكثر أمام شعب يؤمن أن الكتاب ليس رفاهية، بل جزءٌ من البقاء. ولهذا بقيت غزة، رغم كل شيء، تشبه طائر العنقاء… تحترق، ثم تبعث من جديد، أكثر قوةً، وأكثر تمسكًا بالحياة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :