الذكاء الاصطناعي والسردية العربية
د. علي الروضان
14-05-2026 02:20 AM
لطالما كانت أدوات المعرفة عاملاً رئيسياً في تشكيل موازين القوة والتأثير بين الدول والمجتمعات. واليوم، تدخل المنطقة العربية مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغات الكبيرة (Large Language Models – LLMs) جزءاً من البنية التي تُصاغ من خلالها المعرفة والمحتوى والخدمات والسردية الرقمية العربية القادمة.
وخلال الفترة الأخيرة، شهدت المنطقة العربية تطورات متسارعة في هذا المجال. فالإمارات طورت نموذج Falcon الذي حقق حضوراً عالمياً في عدد من الاختبارات المرجعية المفتوحة (Open Benchmarks)، والسعودية أطلقت نموذج ALLaM ومبادرات واسعة لبناء منظومة عربية متقدمة للذكاء الاصطناعي، فيما تواصل قطر الاستثمار في نموذج Fanar وأبحاث معالجة اللغات الطبيعية (Natural Language Processing – NLP). وما يجمع هذه المبادرات ليس فقط الطموح التقني، بل إدراك متزايد بأن اللغة أصبحت جزءاً من البنية الرقمية والسيادية للدول في العصر الحديث.
فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل وعاءً للمعرفة والثقافة وطريقةً لفهم العالم. ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية تؤثر بصورة مباشرة في طريقة عرض المعلومات، وترتيب الأولويات، وصياغة المحتوى الذي يراه المستخدم يومياً في التعليم والإعلام والخدمات الرقمية. ومع توسع الاعتماد على هذه الأنظمة، ستصبح السردية الرقمية التي تنتجها جزءاً من الوعي العام للأجيال القادمة.
ومن هنا، بدأ العالم يتحدث بشكل متزايد عن مفهوم السيادة اللغوية الرقمية (Digital Linguistic Sovereignty)، أي امتلاك القدرة على المشاركة الفاعلة في بناء الأنظمة الذكية التي تتعامل مع اللغة والمعرفة المحلية، وعدم الاكتفاء بدور المستهلك للتكنولوجيا الجاهزة. فحين تُبنى النماذج اللغوية على بيانات وسياقات ثقافية مختلفة، فإنها تعكس بصورة طبيعية أولويات وتصورات الجهات التي طورتها، بما في ذلك طريقة تقديم المعرفة وصياغة السردية الرقمية المرتبطة بها.
كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تعتمد على منظومات تقنية متقدمة تشمل الحوسبة السحابية (Cloud Computing)، ووحدات المعالجة الرسومية (Graphics Processing Units – GPUs)، ومراكز البيانات (Data Centers)، وتقنيات التدريب المسبق (Pre-training) والضبط الدقيق (Fine-Tuning)، إضافة إلى تقنيات التوليد المعزز بالاسترجاع (Retrieval-Augmented Generation – RAG). وهذه المكونات أصبحت جزءاً من الاقتصاد الرقمي العالمي ومن البنية المعرفية الجديدة للدول.
وفي هذا السياق، يمتلك الأردن العديد من المقومات التي يمكن البناء عليها للمشاركة بفاعلية في هذه المرحلة الجديدة. فالمملكة كانت من أوائل دول المنطقة التي تبنت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي (Digital Transformation)، كما أطلقت ميثاقاً وطنياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (AI Ethics)، وتعمل اليوم على توسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجية التحول الرقمي 2026–2028. كما أن المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، بما في ذلك التوسع في مشاريع العقبة الرقمية (Aqaba Digital Hub)، تعكس توجهاً متزايداً نحو تعزيز جاهزية المملكة للمشاركة في الاقتصاد الرقمي الإقليمي.
إلى جانب ذلك، يتمتع الأردن بكفاءات بشرية وأكاديمية متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات (Data Science) وتعلم الآلة (Machine Learning – ML) والتعلم العميق (Deep Learning)، إضافة إلى وجود جامعات ومراكز بحثية قادرة على المساهمة في تطوير حلول عملية تخدم احتياجات القطاعات الحكومية والخاصة. كما أن البيئة التنظيمية والتشريعية في المملكة، خصوصاً في مجالات حماية البيانات (Data Protection) والأمن السيبراني (Cybersecurity)، تشكل قاعدة مهمة يمكن البناء عليها لتعزيز الاستخدام المسؤول والآمن للتقنيات الذكية.
وربما تكمن الفرصة الأهم للأردن في تبني استراتيجية عملية ومرنة تقوم على التخصص والتكامل. فبدلاً من الدخول في سباق مكلف لبناء نماذج عامة ضخمة (General-Purpose Models)، يمكن التركيز على تطوير نماذج لغوية متخصصة (Domain-Specific Models) تخدم قطاعات محددة مثل التعليم العالي، والمبادرات التعليمية الرقمية الذكية، والخدمات الحكومية، والرعاية الصحية، والقانون، والمحتوى العربي المحلي، والسياقات الرقمية المرتبطة باحتياجات المجتمع الأردني. وهذا النوع من النماذج قد يشكل قيمة مضافة حقيقية، ويمنح الأردن مساحة للمساهمة في بناء السردية الرقمية العربية من زاوية معرفية وثقافية مرتبطة بواقعه واحتياجاته.
كما يستطيع الأردن أن يلعب دوراً مهماً في دعم المبادرات العربية المشتركة في مجال الذكاء الاصطناعي، سواء عبر التعاون البحثي، أو البيانات، أو الاختبارات المرجعية، أو النماذج مفتوحة المصدر. فاللغة العربية، بتنوعها الثقافي والجغرافي، تحتاج إلى جهد تكاملي عربي، والسردية الرقمية العربية المستقبلية ستكون أكثر توازناً وثراءً كلما اتسعت دائرة المساهمين في بنائها.
ومن الجوانب المهمة أيضاً، الاستثمار في بناء قدرات وطنية لتقييم واعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في القطاعات الحساسة، مثل التعليم والصحة والخدمات الحكومية والقطاع المالي. فالعالم يتجه اليوم نحو تعزيز الحوكمة الرقمية (Digital Governance) والذكاء الاصطناعي المسؤول (Responsible AI)، ليس فقط من الناحية التقنية، بل أيضاً من حيث دقة المعلومات، والخصوصية، والانحيازات الخوارزمية (Algorithmic Bias)، وشفافية النماذج (Model Transparency)، وقابلية التفسير (Explainability – XAI).
إن النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يتوسع اليوم لا يتعلق فقط بكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بل بكيفية ضمان حضور عربي فاعل في بناء المعرفة الرقمية المستقبلية. فمع توسع الاعتماد على نماذج اللغات الكبيرة، ستصبح هذه الأنظمة جزءاً من البنية المعرفية والثقافية للدول، تماماً كما أصبحت شبكات الاتصالات والطاقة جزءاً من البنية التحتية التقليدية.
ومع اتساع حضور نماذج اللغات الكبيرة في التعليم والإعلام والخدمات الرقمية، ستتحدد ملامح جزء من المعرفة العربية المستقبلية عبر الأنظمة التي يجري تطويرها اليوم. ولهذا، فإن المشاركة العربية في بناء هذه المنظومات لا ترتبط بالتقنية وحدها، بل بالمساهمة في تشكيل السردية الرقمية التي ستنعكس على الأجيال القادمة وطريقة تفاعلها مع المعرفة والمحتوى والهوية الثقافية.