منتدى تواصل .. نحو تحديد البوصلة في عالمٍ متغيّر
عماد الشهاب
16-05-2026 05:07 PM
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد الدول تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، بل بقدرتها على قراءة المستقبل قبل أن يصل، وإعادة تعريف أدواتها وأولوياتها بما ينسجم مع عالم جديد يتشكل كل يوم.
وفي هذا السياق، يأتي “منتدى تواصل” الذي تنفذه مؤسسة ولي العهد في نسخته الجديدة، ليس كمجرد فعالية شبابية أو منصة حوار تقليدية، بل كمحاولة أردنية جادة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول: أين يقف الأردن اليوم؟ وإلى أين يجب أن يتجه غدًا؟
ما يلفت الانتباه في المنتدى هذا العام ليس فقط حجم الحضور أو طبيعة الشخصيات المشاركة، بل نوعية المحاور المطروحة نفسها. فحين تضع دولة ملفات مثل الذكاء الاصطناعي، واقتصاد العمل الحر، والتحولات الرقمية، والإعلام الجديد، وتعدد مصادر الدخل، ضمن أولويات النقاش الوطني، فهذا يعني أنها بدأت تدرك أن العالم القديم الذي كانت تُدار فيه الاقتصادات وأسواق العمل والسياسات العامة قد انتهى بالفعل.
الأردن اليوم يقف أمام معادلة معقدة؛ فالدولة تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة، وتحديات إقليمية مفتوحة، وتحولات ديموغرافية عميقة، بالتزامن مع ثورة تكنولوجية تعيد تشكيل مفهوم الوظيفة، والتعليم، والإنتاج، وحتى الهوية المهنية للأفراد. وفي خضم كل ذلك، يصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن لدولة محدودة الموارد أن تحافظ على استقرارها وتنافسيتها في عالم لم يعد يعترف إلا بالمرونة والابتكار والمعرفة؟
هنا تحديدًا تظهر أهمية “منتدى تواصل”.، فالمنتدى، في جوهره، لا يناقش قضايا شبابية فقط، بل يناقش شكل الأردن القادم. فالنقاش حول الذكاء الاصطناعي ليس نقاشًا تقنيًا معزولًا، بل نقاش حول مستقبل الاقتصاد الوطني، وطبيعة الوظائف التي ستختفي، والمهارات التي يجب أن يمتلكها الشباب خلال السنوات القادمة. والنقاش حول اقتصاد العمل الحر لا يتعلق فقط بمنصات رقمية أو وظائف مؤقتة، بل بإعادة تعريف العلاقة التقليدية بين الإنسان والعمل والدولة.
العالم يتغير بسرعة هائلة؛ شركات كبرى تُدار اليوم بفرق موزعة حول العالم، وملايين الشباب باتوا يعملون لصالح أسواق خارج حدود أوطانهم، فيما تتحول المعرفة الرقمية إلى “نفط جديد” يعيد رسم خرائط القوة الاقتصادية عالميًا. وفي ظل هذه التحولات، لا يستطيع الأردن أن يبقى أسير نماذج اقتصادية تقليدية أو تصورات قديمة لسوق العمل.
من هنا، فإن القيمة الحقيقية للمنتدى تكمن في كونه محاولة لخلق “وعي وطني جديد” بطبيعة المرحلة القادمة. فالدول التي ستنجح خلال العقد القادم ليست الأكثر ثراءً بالضرورة، بل الأكثر قدرة على التكيف وإعادة التموضع وبناء رأس مال بشري قادر على المنافسة عالميًا.
ولعل الرسالة الأهم التي يحملها المنتدى هذا العام هي أن الشباب الأردني لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد باحث عن فرصة عمل داخل السوق المحلي، بل كطاقة معرفية يمكن أن تصبح جزءًا من الاقتصاد العالمي إذا ما أُعيد تأهيلها وربطها بالمهارات الحديثة والأسواق الجديدة.
كما أن المنتدى يعكس تحوّلًا مهمًا في طريقة التفكير الرسمية تجاه الشباب؛ من منطق “الاحتواء” إلى منطق “الشراكة”. فالعالم لم يعد يسمح للدول بإدارة ملفات الشباب بعقلية تقليدية قائمة على التلقين أو الحلول المؤقتة، لأن الجيل الجديد يعيش في فضاء عالمي مفتوح، ويقارن نفسه يوميًا بتجارب وفرص ومعايير تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.
وفي هذا الإطار، فإن طرح ملفات الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى والهوية الثقافية ضمن أجندة المنتدى يحمل دلالات عميقة أيضًا. فالمعركة اليوم لم تعد اقتصادية فقط، بل معركة وعي وسرديات وصورة ذهنية. والدول التي لا تمتلك القدرة على مخاطبة أجيالها الجديدة بلغة العصر، ستجد نفسها خارج التأثير تدريجيًا.
لكن، ورغم أهمية المنتدى، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في جودة النقاشات أو قوة العناوين المطروحة، بل فيما بعد انتهاء الجلسات. فالسؤال الأهم دائمًا: كيف تتحول هذه الحوارات إلى سياسات عامة وبرامج تنفيذية ومسارات وطنية واضحة؟ وكيف يمكن تحويل الأفكار التي تُطرح إلى أدوات حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد والمهارات والتعليم والإدارة العامة؟
الأردن اليوم لا يحتاج فقط إلى تشخيص التحديات، بل إلى “بوصلة وطنية” جديدة تساعده على التموضع داخل عالم سريع التغير. وربما تكمن أهمية “منتدى تواصل” في أنه يحاول، ولو جزئيًا، أن يكون جزءًا من هذه البوصلة؛ مساحة لإعادة التفكير، وإعادة تعريف الأولويات، وفتح النقاش حول شكل الدولة والاقتصاد والمجتمع في المستقبل.
وفي عالمٍ تتغير فيه الموازين كل يوم، قد لا يكون أخطر ما تواجهه الدول هو نقص الموارد، بل فقدان الاتجاه. أما الدول التي تمتلك شجاعة طرح الأسئلة الصعبة، والاستماع لأجيالها الجديدة، وإعادة بناء رؤيتها باستمرار، فهي وحدها القادرة على البقاء والمنافسة وسط هذا الضجيج العالمي الهائل.