facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




معالي "الإنفلونسر"


د. سعيد المومني
17-05-2026 09:35 AM

لم يكن تصريح وزير الاتصال الحكومي (د. محمد المومني) صادماً كما قيل، ولا خارج السياق كما قيل أيضاً. الرجل كشف ما يعرفه الجميع: أن الحكومة، حين تواجه شائعة أو رأياً مضاداً، تلجأ إلى أدوات رقمية، من بينها مؤثرون وناشطون، أو ما بات يُسمى بلغة العصر "الإنفلونسر"، يقدمون روايتها أو يدافعون عنها. وهذا واقع معروف منذ سنوات؛ أصوات تتحرك عند الحاجة للرد، أو الهجوم، أو التسويق، أو صناعة الضجيج حول الرواية الرسمية. لكن السؤال ليس: هل توجد هذه الأدوات؟ بل: من هم أصحابها؟ من جعلهم مؤثرين: الدولة أم الجمهور؟ وهل يحملون مصداقية وأخلاقاً وسمعة، أم أنهم مجرد أصوات مأجورة تبحث عن القرب والمكافأة والواجهة؟

استخدام المؤثرين في ذاته ليس جريمة سياسية ولا خطيئة إعلامية، العالم تغير، والإعلام تغير، والمنصات لم تعد هامشاً. لكن الفارق كبير بين دولة تستعين بأصوات محترمة وموثوقة لتوضيح معلومة، وبين حكومة تبحث عن أردأ الناس لتكليفهم بالدفاع عن أفكار لا تستطيع الدفاع عن نفسها. والأسوأ أن بعض هؤلاء الذين يُقَدمون للناس بوصفهم مؤثرين أو "إنفلونسرز" تحيط بهم قصص وفضائح وسلوكيات منفرة، ولسنا بعيدين عن فضيحة أحدهم قبل أيام، حين انفجرت صورته أمام الرأي العام، وهو ممن جرى تقديمهم أو التعامل معهم بوصفهم وجوهاً مؤثرة وقريبة من دوائر القرار. ومع ذلك يجد أمثال هؤلاء طريقهم إلى دوائر القرب والرعاية، ثم يُراد منهم أن يكونوا جسور ثقة بين الدولة والمجتمع.
أي ثقة يمكن أن يصنعها شخص فاقد للثقة؟ وأي رواية رسمية يمكن أن ترتفع إذا حملها من هبطوا أخلاقياً واجتماعياً أمام الناس؟

وهنا لا تعود المشكلة في المؤثر وحده، بل في العقل الذي يظن أن أزمة الثقة يمكن حلّها بتكثير الأصوات حول الرواية الرسمية. فحين تكون الرسالة ضعيفة، لا ينقذها عدد المتحدثين باسمها؛ وحين تكون الثقة مهزوزة، لا يصنعها مؤثر عابر ولا حملة رقمية ولا ضجيج منظم. الاتصال الحكومي الحقيقي لا يبدأ من البحث عمن يدافع عن الحكومة، بل من سؤال أبسط وأعمق: هل ما تقوله الحكومة قابل للتصديق أصلًا؟ وهل تملك من الشفافية والوضوح والاتساق ما يجعل روايتها تقف وحدها من دون حراسة إلكترونية؟

هنا جوهر المسألة .. هل نحن فعلًا بحاجة إلى وزير اتصال حكومي ؟ في الديمقراطيات الحديثة، الاتصال الحكومي وظيفة لا وزارة. هناك ناطق رسمي، ومكتب صحفي، ووحدات مهنية، وأحياناً وزير يحمل صفة الناطق إلى جانب حقيبة أخرى، كما في فرنسا أو إسبانيا. أما أن تتحول هذه المهمة إلى وزارة كاملة، فذلك يعني أننا لا نطور الاتصال بقدر ما نضخم الجهاز الذي يتحدث باسم الحكومة. فمكتب صغير محترف، يقوده صحفي متمرس أو ناطق مؤهل، قادر على أداء هذا الدور بكفاءة أكبر من وزارة كاملة تُضاف إلى سجل الوزارات، وتستهلك من خزينة الدولة والمناصب أكثر مما تضيف إلى الثقة.

بهذا المعنى، يصبح الأمر شكلاً من أشكال البطالة السياسية المقّنعة: مناصب تُستحدث، وأسماء تُبدل، ووزارات تُضاف إلى السجل، بينما جوهر المشكلة باق كما هو؛ فالأزمة ليست في نقص من يتحدث باسم الحكومة، بل في فائض من يتحدثون، وقلة ما يقنع الناس.

أما عندنا، فقد غيرنا الاسم أكثر مما غيرنا العقل: مرة وزارة إعلام، ومرة وزارة دولة لشؤون الإعلام، ومرة وزارة اتصال حكومي. وكأن الأزمة كانت في العنوان لا في المضمون، وفي اللافتة لا في طريقة التفكير. فالمشكلة ليست في أن تكون للحكومة جهة تتحدث باسمها، بل في أن يتحول الاتصال إلى محاولة دائمة لتجميل الصورة بدل إصلاح الأداء، وشرح القرار بدل مراجعته، وإدارة الانطباع بدل بناء الثقة.

ولهذا، فإن مواجهة الشائعة لا تبدأ بمؤثر، بل بالشفافية؛ وهزيمة التضليل لا تكون بحملة رقمية، بل بالتوقف عن إنتاج الغموض. أما المؤثر الحقيقي الذي تحتاجه الدولة، فليس صوتاً يُستدعى عند الحاجة، ولا وجهاً يُلمّع عند الأزمة؛ المؤثر الأول هو الصدق، والمؤثر الثاني هو الكفاءة، والمؤثر الثالث هو احترام عقل الناس. لذلك، وبعد كل هذه الضجة، لسنا معنيين كثيراً؛ هل أخطأ الوزير في التصريح أم لا؟ السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: هل نحتاج أصلاً إلى وزير كي يقول لنا ما تستطيع مؤسسة مهنية صغيرة وشفافة أن تقوله؟
فالدولة التي تحتاج إلى "معالي إنفلونسر" كي تُقنع الناس، مشكلتها ليست في الاتصال… بل في الثقة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :