"الأسلوب المتأخر" في أعمال الفنان خيري حرز الله
د. تيسير المشارقة
18-05-2026 12:13 PM
يمكن تطبيق مفهوم «الأسلوب المتأخر» عند المفكّر العالمي إدوارد سعيد على الفن التشكيلي عموماً، كإطار للفهم ، وعلى أعمال الفنان خيري حرز الله بمعرضه الأخير في غاليري إطلالة اللويبدة (16-26/05/2026 ) بصورة عميقة وخصبة. كما أن هذا المفهوم يفتح إمكانات واسعة لتحليل التحوّلات البصرية والفكرية في أعمال الفنانين في مراحلهم الأخيرة. وعلى الرغم من أن سعيد طوّر المفهوم أساسًا انطلاقاً من الموسيقى والأدب، إلا أن منطقه النقدي قابل للامتداد إلى الرسم والنحت والفنون البصرية عمومًا، لأن «الأسلوب المتأخر» لا يرتبط بنوع فني محدد، بل بحالة جمالية وفكرية تتجلى في علاقة الفنان بالزمن والسلطة الفنية والثقافية، والذات والتاريخ.
لا يعني "الأسلوب المتأخر" في الفن التشكيلي وفي أعمال الفنان خيري حرز الله المتأخرة، الوصول إلى ذروة الإتقان الكلاسيكي أو الصفاء التقني، بل قد يظهر بوصفه تفككًا مقصودًا للشكل، أو ميلًا إلى التشويه، أو اختزالًا بصريًا حادًا، أو نزوعًا نحو التعبير الخام والعنيف. فالفنان حرزالله في مرحلته المتأخرة أصبح أقل اهتمامًا بإرضاء الذائقة السائدة وصار أكثر ميلًا إلى إنتاج لغة بصرية متوترة وغير مستقرة خاصة به، تكشف قلقه الوجودي ووعيه النقدي بالعالم.
يمكن ملاحظة مسألة " الأسلوب المتأخر " وليس الأخير، بوضوح في أعمال فرانسيس بيكون المتأخرة، حيث تتكثف تشوّهات الجسد، وتتحول اللوحة إلى فضاء للتمزق النفسي والعزلة الوجودية. فالجسد عند بيكون لا يُمثَّل بوصفه كيانًا متماسكًا، بل بوصفه أثراً للعنف والزمن والانهيار، وهو ما ينسجم مع مفهوم سعيد عن "الفن المتأخر" بوصفه رفضًا للمصالحة الجمالية. وبالنسبة لأعمال الفنان خيري المرتبط تاريخيا بغزة والخليل وفلسطين عموماً، فإنه تمرّد على الشكل الكلاسيكي وصار تجريدياً، وعنيفاً في التعامل مع زمنه ومع العنف المتصاعد والقسوة وربط بعض أعماله، وهي(ثلاث لوحات رمادية متلاصقة سماها غيرنيكا غزة) بالإبادة الجماعية في قطاع غزة وبجدارية بابلو بيكاسو الإسباني "غيرنيكا"التي تطرح بصرياً وفنياً كيف تعرّضت تلك المدينة الإسبانية إلى الدمار بقنابل الطائرات النازية.
كذلك يمكن قراءة الأعمال المتأخرة للفنان خيري حرزالله وربطها بأعمال جورج بازيلتز الألماني ضمن هذا الإطار؛ إذ تتسم لوحات بازيلتز الأخيرة بتفكيك الجسد وقلب الصورة رأسًا على عقب، بما يعكس توترًا مع الهوية والتاريخ الألماني والذاكرة الجماعية. فالتشويه عند بازيلتز وحرزالله ليس مجرد أسلوب شكلي، بل موقف نقدي من السلطة البصرية ومن فكرة «الصورة المستقرة». وهنا يصبح "الأسلوب المتأخر" أداة لمقاومة النظام الرمزي والثقافي السائد.
أما لدى جان ميشيل باسكيات، فعلى الرغم من موته المبكر، فإن بعض أعماله الأخيرة تكشف نزعة «متأخرة» بالمعنى السعيدي (نسبة لإدوار سعيد صاحب مفهوم "الأسلوب المتأخر")؛ إذ تتصاعد في أعمال باسكيات الفوضى البصرية، وتتداخل الرموز والنصوص والهويات بصورة أكثر توترًا وكثافة. ويمكن فهم ذلك بوصفه تعبيرًا عن اغتراب الفنان داخل النظام الرأسمالي والثقافة الاستهلاكية، حيث يصبح الجسد الأسود والهوية العرقية مجالًا للصراع مع السلطة الثقافية. وهذا الإطار يمكن نسجه على أعمال الفنان حرزالله حين قدم أعمالاً نافرة ومتمردة تعبق فيها موسيقاه وتوتره، رافضاً للواقع ونظام البطش والإبادة في فلسطين.
كما يمكن ربط أعمال الفنان حرزالله في معرضه الأخير، بغاليري إطلالة اللويبدة بعمّان (الأردن) وقام بافتتاح المعرض رئيس الوزراء الأسبق عمر الرزاز، بأعمال بابلو بيكاسو المتأخرة، وتطبيق ذات المفهوم(الأسلوب المتأخر) على أعمال فنانين آخرين، فأعمال بيكاسو المتأخرة اتسمت بحرية في التعامل مع الخطوط والأشكال والألوان، وذلك بشكل حاد وظهر التفكيك للأشكال والقواعد الأكاديمية في الفن، وكأن الفنان في سنواته الأخيرة كان يهاجم إرثه الفني ذاته. فالأسلوب المتأخر هنا لا يمثل استقراراً، بل عودة إلى التجريب والتمرد على القواعد التي ساهم هو نفسه في تأسيسها. وكان حرز الله في أعمالة المتأخره هذه في غاليري "إطلالة اللويبدة" يطلق صرخة غاضبة على واقع الحال العربي والفلسطيني وواقع حالته الصحية المتوترة والمشبعة بالموسيقى والألوان المتنافرة.
ومن الناحية النظرية، يَسمحُ مفهوم «الأسلوب المتأخر» بتحليل الفن التشكيلي من خلال عدة محاور، مثل :التوتر مع السلطة البصرية والذائقة السائدة حيث يرفض الفنان المعايير الجمالية الرسمية أو السوق الفنية( فقد لاحظنا التسعير المتأخر لأعمال الفنان خيري حرزالله، وما زال زوار المعرض داخل الغاليري ولم يحدث ذلك من قبل، فالفنان وصاحب الغاليري كمال أبو الحلاوة لم يفكرا بالمكافأة المالية، (لا على عرض الأعمال الفنية لمدة عشرة أيام ولا بالبيع والأسعار)، ولم يهتما أيضا بالأيديولوجيا الثقافية السائدة. ويلحظ الناقد الفني مازن عصفور تفكك الجسد والهوية في بعض الأعمال الفنية للفنان خيري خرزالله، إذ يتحول الجسد إلى موقع للأزمة والاغتراب بدلا من أن يكون رمزًا للانسجام. وهناك جدلية المنفى والاغتراب (سواء كان منفى سياسيًا أو ثقافيًا أو نفسيًا)، وهو ما ينعكس في تشظي الفضاء التشكيلي عند حرزالله. لقد رفض الفنان بحكم واقعه الصحي رفض الاكتمال الجمالي في أعماله المتأخرة، وكان جريئاً وثائراً على الشكل والمحتوى. فالعمل المتأخر يبدو أحيانًا غير منتهٍ أو خشنًا أو متناقضًا عمدًا. وهناك مسألة "الوعي بالزمن والموت" حيث تصبح اللوحة في مواجهة مع، أو مقاومة ضد، الفناء والذاكرة والتاريخ.
يمكن اعتبار مفهوم «الأسلوب المتأخر» إطارًا نقديًا مهمًا لدراسة الفن المعاصر، ويمكن تأطيره لكثير من الأعمال الفنية ، ولدراسة التعبيرية الجديدة في الفن والفنون التي تتناول الجسد والهوية والسلطة الفنية والثقافية. كما أن هذا المفهوم يتقاطع بعمق مع النقد الماركسي والدراسات الثقافية، لأن الفنان المتأخر عند المفكر إدوارد سعيد غالبًا ما يكون في حالة مقاومة للهيمنة السياسية والثقافية، وليس في حالة انسجام معها.