نوافذ الامل: الثقافة نافذة الامل للمستقبل
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
18-05-2026 12:14 PM
نقف احيانا مأخوذين امام أثر تاريخي مثل خزنة البترا، الاهرامات، نفق ام قيس، آثار جرش و غيرها. في لحظات ياخذنا الخيال الى رحلة الانسانية عبر الزمن و ارادة الانسان للتطور و الارتقاء و البناء.
في هذه السلسلة من نوافذ الامل سأمر على محطات من رحلة الانسان الثقافية في الاردن عبر العصور. لماذا الاردن بشكل خاص، ليس فقط لانني اردني و افخر بذلك و لكن لان لهذه المنطقة خصوصية في رحلة الانسان و تحوله من صائد-لاقط الى الرعي و الزراعة الى الاستقرار و الامن الغذائي و انتاج الفنون.
لكن هنالك الاثر الثقافي غير المادي الذي مثل تراكم انجازات الانسانية و لا يختص بعرق او لون او دين او منطقة و هذا الذي حافظ على استقرار المجتمعات بعد الاستيطانات البشرية الاولى. برأيي الشخصي ان اهم ارث انساني غير مادي كانا التعاون الاجتماعي و منظومة القيم.
التعاون الاجتماعي مثلت الاسرة فيه حجر الاساس و اللبنة الاساسية للمجتمع الاكبر سواءا كان العشيرة او القبيلة او الدولة او الامة. هذا التعاون تراكمي لانه انتج تخلي الفرد عن جزء كبير من رغباته و مصالحه و انانيته مقابل الانتماء و القبول و التعاون الاجتماعي ليواجه الحياة بسند و تراكم منجزات قد يكون اهمها الامن و الغذاء ثم الامان النفسي الداخلي الذي بدأ يتلاشي شيئا فشيئا مع دخول الثقافة الرقمية.
منظومة القيم هي من اهلت الانسانية للتعاون و الاهداف الكبرى كبديل للمكاسب الفردية المحدودة الآنية. لذلك فإن العقل البشري في العمق ما زال ضمن برمجة البقاء و الفردية و المصالح و الرغبات و الغرائز. ليس ادل على ذلك من ان القيم هي مقاومة الفردية فالشجاعة هي مقاومة الخوف و ليس غيابه و الكرم هو مقاومة البخل و الحرص و التعاطف مع الآخرين هو مقاومة الانانية و الحوار هو مقاومة الميل للعنف و حب الاوطان هو مقاومة المصالح الذاتية ان تعارضت مع الانتماء. لكن في العمق في تلك الغرف المظلمة من العقل اللاواعي ما زالت البرمجة قائمة على العواطف و المصالح و الرغبات و الغرائز لذلك تجد الناس في الملمات او شح الموارد تعود للبرمجة الاصلية ما لم تكن منظومة القيم اكتملت بالبرمجة الاسرية الاجتماعية و المعرفة.
هذه الانجازات البشرية من الاسرة و التعاون الاجتماعي و القيم اصبحت اليوم موضوع نقاش و شك مع دخول المرحلة الرقمية و نشوء تيار عالمي عابر للحدود متمرد عليها تحت مسميات مختلفة مثل الحرية الفردية و الليبرالية المتوحشة.
لكن هذه القيم مع الموروث الاجتماعي الخاص بكل بلد او منطقة او دولة هي روح الهوية الوطنية التي تمثل الجذور التي تثبت الفرد و توجه بوصلته للانجاز و التطور و الارتقاء.
في ظل الصراع العالمي حاليا بين تيار التعصب المطلق للهوية و الارث الاجتماعي بناءا على العرق او اللون و تيار الحرية المطلقة و الفردية قد نحتاج لطريق ثالث يوائم بين الهوية و الموروث الاجتماعي كشبكة امان و استقرار دون مبالغة مع ضمان حد من الحرية الفردية و العدالة و الانفتاح على الابداع الفردي.
لذلك فإن نافذة الامل المستقبلي لن يشبعها التطور المادي بقدر حاجتها للنموذج الثقافي الذي يحافظ على الجذور و يفتح نوافذ الامل لنور الابداع و تحقيق الذات.
هذه العجالة هي مقدمة لسلسلة نوافذ الامل التي تفتح و تتفتح بالثقافة المعتدلة الواعية التي تقبل الآخر و تنبذ العنف و التقوقع.