ما أوسع الفضاءات الحرة! وما أنصع الشعارات العالية! وما أجمل النداءات الإيجابية والوعود الموشحة بالعدل والكرامة!!! تلك التي نطالعها في تصريحات المسؤولين وفي بطون التشريعات والقوانين، وعلى المنصات الإلكترونية، واللقاءات الموسمية؛ فالأبواب مشرعة تتلقى المظالم وتستمع للمفاسد، وتخزن الشكاوى، وترصد القضايا وتحشد الوقائع والأدلة، تحفظها في أوعية قصية، وأمكنة بعيدة عن الضوء، تنفّس بها عن الصدور المحتقنة، وتصنع للناس من ذلك كله تراجيديا يونانية مسلية، تجعلهم أبطالها ... تضعهم في زوايا حرجة، وتعرضهم لظروف صعبة قاسية تسميها أقدارا مكتوبة، وتدعوهم للصبر على المكاره والصعاب، وتسمي ذلك الذروة أو الحبكة أو(عنق الزجاجة) وتعدهم بعد ذلك بالحلقة الأخيرة التي ينتصر فيها الخير، ويندحر فيها الشر، وتسمي ذلك لحظة التنوير التي يعقبها الفرج أو ( الأيام الأجمل التي ستأتي بعد)... لكن تلك اللحظة لن تأتي؛ لأن النهاية الدرامية الحديثة صارت مفتوحة على مصاريع كثيرة، وعلى المتفرجين أن يصنعوها بأنفسهم، غير أن المتفرجين قد باتوا عاجزين عن فعل أي شيء، وهم مذعنون لإرادة المخرج ... بل إن كثيرا من الشخصيات التراجيدية قد خرجت من أيدي المخرجين وبدأت تتحول من شخصيات درامية إلى شخصيات حقيقية لها أيد تبطش بها، وملاذات آمنة تتخفى خلفها كما تختفي الكروش المترهلة تحت العباءات الفضفاضة، والدشاديش الواسعة... وهي لن تتوانى عن البطش بالمتفرجين وبالمخرج في آن معا.
أقول ما قلت وأنا أرى العجب ليس فقط في رجب، بل في كل وقت وحين؛ فالضباب الكثيف يلف الأماكن كلها، والرؤية تنحسر، والرسائل لا تصل، والمدى يضيق ويغلي كباب المضيق...في الأماكن الضيقة كعنق الزجاجة حيث تتجاور المتناقضات، وتختلط الأدوات في خرج الدواج (العطور والكحل والمناديل والحلقوم).
قادة قبليون خلعوا عباءاتهم وارتدوا ربطات العنق بعد أن خلعت عليهم الدولة من الخُلع والأعطيات والنفوذ ما جعلهم واجهات سياسية تخلو من أي لون، تماما كالخلفية التي يعدها المصور في الاستديو لالتقاط صور رسمية لجواز السفر أو دفتر العائلة، خلفيات يمكن أن تنقش عليها بالفوتوشوب الوجه الذي تريد، ثمة (جاكيت) معلق هناك، وبجواره ربطة عنق يمكن لصاحب الصورة أن يرتديهما لمزيد من الأناقة ...صورة على وجهها الآخر نقش مكتوب...الصور كالعملة لها وجهان، الأول نص مكتوب يبين فئة العملة وقيمتها(قرش، شلن، بريزة) والثاني الصورة التي التقطت له في الاستوديو، فالأولى كالخطام يشد به البعير إذا جمح، والثانية جواز سفر يغادر فيها عتبة القبلية إلى السياسة والمدنية، صورة على خلفية بيضاء يمكن أن تمتزج لاحقا باي خلفية أخرى( وسط، يمين، محافظ، وسط الوسط يمين الوسط) المهم أنه وسط بين الموقف واللاموقف.
بالوجه الأول تمارس الصورة المعالجة بالفوتوشوب القبلية والاستحواذ في أبشع صورهما، تعيد المجتمع إلى عصور الإقطاع، يتطرف أصحابها إلى ذواتهم كثيرا، يتخلون عن وسطيتهم المتلبسة باللاموقع واللا موقف لينزعوا من الناس أعز ما بأيديهم(الملكيات الصغيرة) فيجمعونها إلى بعضها قطعا من الفسيفساء الصغيرة كانت تتسع لأحلامهم؛ لتصير عشرات الآلاف من الدونمات هبة ممن لا يملك لمن لا يستحق من ذوي القربى ممن يلتقون مع (غليص) عند الجد الرابع، مثل هذا يحدث في بلادنا الآن تحت شعار الإصلاح والتحديث... يحدث ذلك حين يتم اختزال حقوق القبيلة في أبناء رجل واحد، رأس القبيلة صار قرشا يبتلع كل الأسماك الصغيرة، فإذا ما قلب ظهر المجن ولبس الوجه الآخر من العملة صار مصلحا ديمقراطيا يدعو للتشبث بقيم المواطنة والعدالة والمساواة على أساس الحقوق والواجبات تحت مظلة القانون، وراح يرسم من الخطوط والحدود بكل الألوان من أجل تحصين الجبهة الداخلية، ومنع الارتداد إلى القبلية التي لا تؤمن بالرأس الواحد الذي يجب أن تطأطئ له كل الرؤوس... إنهم يبيعوننا قمحا ويكيلوا لنا شعيرا ...
ومن العجب العجاب أن ينبري نفر ممن لا يجدون قوت يومهم يصفقون لهؤلاء الآبقين، وهم يعلمون أنهم سبب شقائهم وشقاء أبنائهم من بعدهم، تلك هي العبودية... أن تختار تقبيل اليد التي تلطم وجهك وتقتلعك من أرضك وجذورك لتهديها غيرك بدل أن تدعو عليها بالقطع.