فتح .. أفول نجم أم ولادة قيصرية
د. محمود الشغنوبي
19-05-2026 09:16 AM
لم يكن المؤتمر الثامن لحركة فتح حدثاً تنظيمياً عادياً، بل كان مرآةً كاشفة عُرضت فيها صورة الحركة على حقيقتها، بلا رتوش ولا مساحيق. ومن شهد أروقته عن كثب، ومن تابع ما جرى خلف الكواليس قبل القاعات، أدرك أن ثمة تحولاً عميقاً قد اكتمل بهدوء، لا كما تكتمل النضج بل كما يكتمل الاحتراق الداخلي الصامت.
ما رصده المراقبون الأمناء ليس أزمة طارئة تعتري حركة في لحظة ضعف مؤقت، بل هو انقلاب قيمي مكتمل الأركان تجذّر على مدار سنوات حتى أصبح هو القاعدة لا الاستثناء. حين يُرفع الخنوع إلى مرتبة الفضيلة ويُلبَس رداء الانضباط والالتزام، وحين تُكافأ الجهالة وتُمنح أوسمة النضال، وحين يُحارَب الرأي المخالف بوصفه تمرداً لا اجتهاداً، فنحن لسنا أمام خلل تنظيمي يمكن إصلاحه بقرار أو بتغيير وجوه، بل أمام ثقافة بديلة حلّت محل ثقافة النضال الأصيلة وأخذت تتمدد في كل مفصل من مفاصل الحركة.
وقد جاء الأشد إيلاماً من جهتين لا تحتملان المواربة: الأولى أن القانون الداخلي الذي كان يُفترض أن يكون الحَكَم والحارس صار هشيماً تطير به ريح السلطة، بل بات الدوس عليه ممارسة يُحضّ عليها ويُمجَّد أصحابها. والثانية أن التاريخ الفتحوي المجيد بتضحياته وقاماته ومساراته الكبرى بات سلعة تُباع بالمنصب وتُشترى بالولاء، وحلّ رأس المال السياسي الفاسد محل رأس المال النضالي الذي بنت عليه الحركة شرعيتها التاريخية. وكان يكفي هذان الوجهان وحدهما شاهداً على أن فتح لا تعاني من وهن طارئ، بل تفقد هويتها قطعة قطعة.
والأخطر في المشهد كله أن المنظومة الرمزية للحركة قد طالها ما طال سواها، إذ جرى تصنيع رمزيات جديدة مصطنعة ودُفع بها إلى الواجهة لتحلّ محل الرمزيات الحقيقية التي جمعت بين الرسالية والنضالية والمثابرة. والحركات التي تفقد رموزها الأصيلة وتستعيض عنها بواجهات مُلمَّعة إنما تفقد ذاكرتها الجمعية، وحركة بلا ذاكرة لا تعرف من أين جاءت فكيف تعرف إلى أين تسير.
غير أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح بصدق ليس هل تعاني فتح، فهذا بات يقيناً لا جدال فيه، بل هل ما نشهده أفول نجم تنظيم عجز عن تجديد نفسه، أم أنه آلام ولادة قيصرية قاسية لفتح جديدة تشقّ طريقها من رحم الأزمة؟ الفارق بين المشهدين ليس في حجم الألم، فكلاهما موجع، بل في وجود إرادة حقيقية للتغيير أو غيابها. إرادة تبدأ من القيم قبل الهياكل، ومن الضمير قبل اللوائح، ومن الاعتراف الصريح بأن ما جرى لم يكن عثرة عابرة بل مساراً انحدارياً ممنهجاً يحتاج جرأة استثنائية لمواجهته.
التنظيم لا يسقط بضربة واحدة معلنة، بل يأفل وهو واقف، يتآكل من الداخل حتى لا يبقى منه غير الهيكل والاسم والذكرى. وفتح التي حملت لواء القضية الفلسطينية لعقود طويلة تقف اليوم أمام مفترق لا تملك ترف التردد فيه. فالجماهير التي طالما سبقت قياداتها كما كان يردد الخالد أبو عمار لن تنتظر طويلاً، وفلسطين التي هي البوصلة الأولى والأخيرة لا تقبل من يحملها ذريعةً للمكاسب بدلاً من أن يحملها أمانةً تستحق التضحية.