facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين الوطنية والمزايدة


عبدالوهاب الشوابكة
19-07-2026 12:34 AM

في زمنٍ تاهت فيه البوصلة، وتشتّتت الأفكار، واختلّت موازين القيم والعادات، حتى فقدت المفاهيم النبيلة معناها الحقيقي. كما الأخلاق، التي كانت يومًا عنوانًا للإنسان وميزانًا لسلوكه، أُقصيت عن المشهد، لتحلّ محلها أصواتٌ مرتفعة، وشعاراتٌ صاخبة، ومظاهرُ تختلط فيها الحقيقة بالادعاء.

ومن بين أكثر المفاهيم التي تعرّضت للتشويه مفهوم الوطنية.

فقد أصبحنا نسمع أصواتًا تتحدث باسم الوطن، وتزايد في حبّه، وتحتكر الحديث عن الانتماء إليه، حتى باتت الوطنية عند البعض مجرد عبارات تُقال، وشعارات تُرفع، ومظاهر تُستعرض، بينما تغيب عن السلوك والممارسة والمسؤولية.

فكم من شخصٍ جعل من التظاهر بحب الوطن وسيلةً لتحقيق مصلحة شخصية، أو الوصول إلى غاية خاصة، أو إدانة الآخرين، أو احتكار صفة الوطنية لنفسه ومن يشبهه. وكم من شعارٍ رُفع باسم الوطن، بينما كانت خلفه أطماعٌ لا علاقة لها بحب الوطن ولا بمصلحته.

إن حب الوطن لا يُقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة الشعارات، ولا برفع العلم في المناسبات فحسب، ولا بالحضور في الصفوف الأمامية، ولا بكثرة الكلمات والقصائد والأغاني والأهازيج.

تلك كلها مظاهر قد تعبّر عن مشاعر وطنية صادقة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة وطنية حقيقية.

فالوطنية أعمق من مظهر، وأكبر من شعار، وأصدق من كلمة تُقال في مناسبة.

الوطنية الحقيقية هي أن يكون الإنسان صادقًا في انتمائه، مخلصًا في عمله، أمينًا في مسؤوليته، كريمًا في تعامله، عفيفًا في سلوكه، محافظًا على وطنه ومقدراته، ملتزمًا بأنظمته وقوانينه، حريصًا على أمنه واستقراره وتقدمه.

الوطنية أن تؤدي واجبك حين لا يراقبك أحد، وأن تحافظ على المال العام كما تحافظ على مالك، وأن ترفض استغلال المنصب أو النفوذ لتحقيق مصلحة شخصية، وأن تؤمن بأن المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

الوطنية أن تسهم في بناء وطنك، لا أن تكتفي بالحديث عن حبه.

أن تكون جزءًا من التنمية، لا عائقًا أمامها.

أن تحترم القانون، وتؤدي عملك بإتقان، وتحسن معاملة الآخرين، وتمنح كل إنسان حقه، وتؤمن بأن العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص ليست شعارات تُرفع، بل أسسٌ لا تستقيم الأوطان من دونها.

أما المزايدة على الوطن، فهي الوجه الآخر للنقيض.

فليست كل كلمة تُقال باسم الوطن وطنية، ولا كل من رفع شعار الوطنية صادقًا في موقفه. فهناك من يجعل من الوطن درعًا يحتمي به، أو منصةً يصعد عليها، أو وسيلةً يهاجم بها الآخرين، أو بابًا يمرّ من خلاله إلى مصالحه الخاصة.

وهنا يظهر الفارق جليًا بين الوطنية والمزايدة.

الوطنية تُثبتها الأفعال، والمزايدة تكشفها المواقف.

الوطنية لا تحتاج إلى ضجيجٍ دائم، ولا إلى استعراضٍ مستمر، ولا إلى ادعاءٍ متكرر. فالأوطان لا تُبنى بالصوت الأعلى، بل بالعمل الأصدق. ولا تتقدم بكثرة من يتحدثون عنها، بل بكثرة من يعملون من أجلها.

إن حب الوطن ليس أن تقول إنك تحبه، بل أن تكون جديرًا بهذا الحب.

أن تكون مواطنًا صالحًا في بيتك، وعملك، وشارعك، ومجتمعك.

أن تكون أمينًا حين تكون الأمانة مكلفة، وصادقًا حين يكون الكذب أسهل، ومسؤولًا حين يحاول الآخرون التنصل من مسؤولياتهم.

فالوطنية الحقيقية تبدأ من الإنسان نفسه، من أخلاقه، ومن سلوكه، ومن احترامه للآخرين، ومن إتقانه لعمله، ومن حرصه على أن يضيف إلى وطنه شيئًا، لا أن يقتطع منه شيئًا.

إن الوطن لا يحتاج إلى مزيدٍ من المزايدين، بقدر ما يحتاج إلى المخلصين.

ولا يحتاج إلى من يرفعون الشعارات في كل مناسبة، بقدر ما يحتاج إلى من يترجمون حبهم له إلى عملٍ صامت، ومسؤوليةٍ حقيقية، وإنجازٍ ملموس.

فالوطنية ليست أن ترفع صوتك باسم الوطن، بل أن ترفع من شأن الوطن.

وليست أن تطالب الآخرين بالولاء، بل أن تكون أنت وفيًا في موقعك.

وليست أن تدّعي حب الوطن، بل أن تكون نافعًا له.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى كثير من الشرح:

حب الوطن مواقف ومسؤوليات، لا شعارات ومزايدات.

ومن أحب وطنه حقًا، لم يجعل من حبه وسيلةً للمكاسب، ولا سلاحًا لإدانة الآخرين، ولا شعارًا للاستهلاك؛ بل جعله سلوكًا يوميًا، وضميرًا حيًا، وعملاً صادقًا، ومسؤوليةً لا يتنصل منها.

فالوطنية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :