من المرتبة الستين إلى اقتصاد يصنع المستقبل
أ.د. أمجد الفاهوم
07-10-2026 09:14 AM
أن يتقدم الأردن خمس مراتب في مؤشر الابتكار العالمي ليصل إلى المرتبة الستين عالميًا، وأن يحتل المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر المقالات العلمية والتقنية، فذلك إنجاز يستحق التقدير، لكنه في الوقت ذاته يضع أمامنا سؤالًا أهم من الترتيب نفسه: كيف نحول هذه القوة العلمية والمعرفية إلى مهارات ومنتجات وشركات وفرص عمل؟
فالابتكار، كما يقيسه مؤشر الابتكار العالمي، لا يعني الاختراع وحده، وإنما قدرة الدولة على إنتاج المعرفة وتوظيفها وتحويلها إلى حلول وتقنيات ومنتجات ذات قيمة اقتصادية واجتماعية. ومن هنا فإن تقدم الأردن لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه رقمًا في مؤشر دولي فحسب، بل بوصفه مؤشرًا على امتلاكنا قاعدة مهمة يمكن البناء عليها.
ولعل تصدر الأردن عالميًا في المقالات العلمية والتقنية يحمل دلالة خاصة؛ فهو يعكس قوة الباحث الأردني والمؤسسات الأكاديمية والعلمية في إنتاج المعرفة. لكن التحدي يبدأ بعد نشر البحث العلمي: كم بحثًا يتحول إلى براءة اختراع؟ وكم براءة اختراع تتحول إلى منتج؟ وكم منتج يتحول إلى شركة وفرص عمل وصادرات؟
هنا تحديدًا يبرز التعليم التقني بوصفه جزءًا أساسيًا من منظومة الابتكار. فالاقتصاد الحديث لا يحتاج إلى الباحث والمهندس فقط، بل يحتاج أيضًا إلى الفني القادر على تشغيل التكنولوجيا وتطويرها وصيانتها، وإلى التقني الذي يحول التصميم إلى نموذج أولي، والنموذج إلى تطبيق، والتطبيق إلى منتج قابل للاستخدام والإنتاج.
ومن هنا يجب أن ننظر إلى التعليم التقني باعتباره شريكًا في صناعة الابتكار، وليس مسارًا تعليميًا منفصلًا عن البحث العلمي والاقتصاد. فالكلية التقنية الحديثة ينبغي أن تكون بيئة يتعلم فيها الطالب من خلال مشكلات حقيقية، ومختبرات مرتبطة بالصناعة، وتدريب عملي، ومشروعات يمكن أن تتحول إلى حلول ومنتجات وشركات ناشئة.
وهذا يتطلب منظومة وطنية متكاملة تتكامل فيها أدوار المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا في دعم البحث العلمي وتوجيهه نحو الأولويات الوطنية، والجامعات ومراكز البحث في إنتاج المعرفة، والكليات التقنية في تحويلها إلى مهارات وتطبيقات، والقطاع الخاص في تطويرها وتسويقها، والمجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل في الدفع باتجاه تبني التقنيات المستقبلية وربطها بأولويات الدولة الاقتصادية والتنموية.
والاهتمام الذي يوليه سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بالتكنولوجيا والابتكار، من خلال المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، يفتح فرصة مهمة لبناء هذا التكامل، بحيث لا تبقى التكنولوجيا موضوعًا متخصصًا، بل تصبح جزءًا من التعليم والاقتصاد والصناعة والخدمات وفرص الشباب.
الأردن قد لا ينافس الدول الكبرى بحجم الإنفاق أو الموارد، لكنه يستطيع أن ينافس بالإنسان والمعرفة والمهارة. وهذه هي ميزتنا الأكثر أهمية. فإذا استطعنا أن نربط البحث العلمي بالتعليم التقني، والتعليم التقني بالصناعة، والصناعة بالابتكار، فإن تقدمنا في مؤشر الابتكار يمكن أن يتحول من إنجاز إحصائي إلى أثر ملموس في الاقتصاد وسوق العمل.
لذلك، فإن الوصول إلى المرتبة الستين يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من إنتاج المعرفة إلى إنتاج القيمة. فالمستقبل لا يصنعه عدد الأبحاث وحده، ولا عدد الخريجين وحده، وإنما قدرة الإنسان الأردني على أن يحول المعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى حل، والحل إلى منتج، والمنتج إلى شركة وفرصة عمل.
وهنا أرى أن مستقبل الابتكار الأردني يبدأ من المكان الذي تلتقي فيه الجامعة بالكلية التقنية، والبحث العلمي بالصناعة، والتعليم بسوق العمل، والفكرة بالتطبيق.