من الغرامة إلى الحافز .. هل ينجح نظام السلامة المرورية بترسيخ ثقافة الالتزام؟
المحامي اسامة البيطار
18-02-2026 01:47 AM
إن مشروع نظام رفع مستوى السلامة المرورية والحوافز التشجيعية للسائقين لسنة 2026، الذي وافق مجلس الوزراء على أسبابه الموجبة وأحاله إلى ديوان التشريع والرأي، يقدم مقاربة مختلفة تستحق قراءة متأنية، لأنها تنقل النقاش من منطق “الخصم الموسمي” إلى فلسفة “الحافز المستدام”.
الغرامة في أصلها ليست رسماً مالياً عادياً، وليست مورداً جبائياً خالصاً، بل هي جزاء ذو طبيعة تنظيمية يرتبط بحماية النظام العام، وفي حالة السير تحديداً بحماية الأرواح والممتلكات. وهي تقوم في فلسفتها على ثلاثة عناصر أساسية: التحديد المسبق، واليقين، والاستقرار. فالفرد يعلم سلفاً أن مخالفة القاعدة سيترتب عليها جزاء محدد وثابت، وهذا اليقين هو ما يصنع الردع العام.
في النقاش السابق حول الخصومات، برزت إشكالية احتمال تحول الغرامة إلى “عرض موسمي”، بما قد يضعف عنصر اليقين ويخلق ثقافة انتظار التخفيض بدل الامتثال. أما المشروع الجديد، فيبدو أنه يسعى إلى معالجة هذه الإشكالية من خلال ربط الحافز بالسلوك المستمر، لا بالظرف الطارئ.
فمنح خصم بنسبة 25% على رسم الاقتناء السنوي للسائق الذي يمضي عاماً كاملاً دون ارتكاب مخالفة، يمثل تحولاً نوعياً من معاقبة المخالف فقط إلى مكافأة الملتزم. وهذه المقاربة تنسجم مع فلسفة حديثة في إدارة السلوك العام تقوم على الجمع بين الردع والتحفيز الإيجابي، لا الاكتفاء بأحدهما.
كما أن منح خصم بنسبة 30% في حال تسديد المخالفة خلال 30 يوماً، و20% خلال 90 يوماً، لا يمس يقين الجزاء، لأنه مرتبط بمدة واضحة ومعلومة سلفاً، وليس بقرار مفاجئ أو تسوية استثنائية. فالجزاء ثابت، لكن سرعة الامتثال تُكافأ، وهو ما يعزز ثقافة المبادرة إلى الالتزام بدل تراكم المخالفات.
الأهم من ذلك أن المشروع استثنى المخالفات الجسيمة من أي خصم، مثل القيادة المتهورة، وتجاوز الإشارة الحمراء، والتسبب بوفاة أو عاهة دائمة، وفرار السائق من مكان الحادث. وهذا الاستثناء يحافظ على جوهر الردع في الحالات التي تمس السلامة العامة بصورة خطيرة، ويمنع أن تتحول الحوافز إلى باب تساهل في الجرائم المرورية ذات الأثر البالغ.
من زاوية القواعد القانونية العامة، يمكن القول إن هذا التوجه ينسجم مع مبدأ أن الاستثناء يقدر بقدره ولا يقاس عليه، ومع القاعدة التي تقرر أن تصرف الإدارة في الشأن العام منوط بالمصلحة. والمصلحة هنا لا تقتصر على تسهيل التحصيل أو تخفيف العبء المالي، بل تمتد إلى بناء ثقافة مرورية أكثر انضباطاً واستقراراً.
وفي بيئة تشريعية تتعدد فيها القوانين والأنظمة والتعليمات، تصبح قيمة اليقين القانوني مضاعفة الأهمية. فكلما ازدادت النصوص، ازدادت الحاجة إلى وضوح في التطبيق وثبات في الرسالة. والمشروع الجديد، إذا طُبق باستقرار وشفافية، قد يسهم في تعزيز هذا اليقين، لأنه يربط الحافز بسلوك قابل للقياس، لا بظرف سياسي أو مالي عابر.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نسبة الخصم، بل في استدامة السياسة. فنجاح النظام مرهون بثباته واستمراريته، بحيث لا يتحول إلى إجراء مرحلي، بل إلى جزء من فلسفة مرورية متكاملة تقوم على الوقاية والردع والتحفيز معاً.
في النهاية، لا تختبر قوة الدولة بعدد المخالفات التي تحررها، ولا بحجم الخصومات التي تمنحها، بل بقدرتها على صناعة يقين قانوني راسخ. فالقاعدة التي تهتز كل موسم تفقد جزءاً من سلطتها المعنوية، أما القاعدة التي تستقر وتكافئ الالتزام وتعاقب الخطر بصرامة، فهي التي تصنع ثقافة احترام القانون.
الرهان الحقيقي ليس في نسبة الـ25% ولا في خصم الـ30%، بل في الرسالة التي تُبنى في وعي السائق: أن الامتثال هو الأصل، وأن الحافز مكافأة للاستقامة لا تسوية للمخالفة. فإذا تحولت الحوافز إلى جزء من سياسة ثابتة ومتسقة، نكون قد انتقلنا من إدارة المخالفة إلى إدارة السلوك.
والفرق بينهما جوهري؛ فإدارة المخالفة تعالج الأثر، أما إدارة السلوك فتبني الوقاية. وفي هذا الفرق يتحدد ما إذا كانت الغرامة مجرد أداة مالية… أم ركيزة من ركائز دولة القانون.