facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يتزامن الميلاد مع الاستقلال


محمد نور الدباس
23-05-2026 01:58 PM

يحدث أن ثمة مصادفات لا تمرّ عابرة في حياة الإنسان، بل تحمل رمزية تتجاوز حدود التاريخ الشخصي إلى معنى أوسع وأكثر عمقاً، ومن أجمل تلك المصادفات أن يولد طفل في ذكرى يوم وطني كبير، كأن يتزامن عيد ميلاده مع عيد الاستقلال الأردني، هنا لا يصبح عيد الميلاد مناسبة عائلية فحسب، بل يتحول إلى حكاية مرتبطة بذاكرة وطن بأكمله.

فالاستقلال ليس مجرد تاريخ على الروزنامة، ولا احتفالاً رسمياً بالأعلام والأغاني والخطب، بل هو لحظة ولادة وطن اختار أن يكون سيد قراره، وأن يبني مستقبله بإرادة أبنائه، فعيد الاستقلال الأردني يمثل اللحظة التي انتقلت فيها الدولة من مرحلة الانتداب والتبعية السياسية إلى مرحلة السيادة الوطنية الكاملة، حين أُعلن استقلال المملكة الأردنية الهاشمية رسمياً في 25 أيار 1946، وأصبح للأردن قراره الوطني المستقل ومؤسساته الدستورية وسيادته المعترف بها دولياً، والاحتفال بالاستقلال لا يقتصر على حدث تاريخي فقط، بل يحمل معاني أعمق، منها تكريم تضحيات الآباء المؤسسين والجيش العربي وكل من ساهم في بناء الدولة، ومنها التأكيد على وحدة المجتمع والهوية الوطنية الجامعة، ومنها التذكير بأن الاستقلال ليس مجرد رفع علم، بل مسؤولية مستمرة لحماية الدولة والقانون والمؤسسات، ومنها الاحتفاء بما تحقق من إنجازات سياسية وتعليمية واقتصادية رغم التحديات الإقليمية، ومنها ترسيخ قيم الانتماء والمواطنة والولاء للوطن، وفي الحالة الأردنية، يرتبط الاستقلال أيضاً ببناء نموذج الدولة الحديثة بقيادة الملك عبدالله الأول ومن بعده ملوك الدولة، حيث أصبح الاستقلال بداية لمسار تأسيس الدستور والبرلمان والإدارة الوطنية والقوات المسلحة، ولهذا، فإن الاحتفال بعيد الاستقلال هو احتفال بالسيادة والهوية والاستمرارية الوطنية، وتجديد للعهد بأن يبقى الوطن قادرًا على حماية قراره ومستقبله، وعندما يتقاطع ميلاد طفلة مع هذا اليوم تحديداً، يشعر الأهل (وربما يشعر المجتمع من حولهم) بأن ثمة معنى إضافياً يرافق تلك الولادة؛ معنى يرتبط بالأمل والبدايات والكرامة والانتماء.

الأطفال الذين يولدون في الأيام الوطنية يكبرون وهم يحملون علاقة مختلفة مع التاريخ، فهم لا ينتظرون فقط كعكة عيد الميلاد والهدايا، بل ينتظرون أيضاً الشوارع المزينة، والأغاني الوطنية، وفرحة الناس العامة، وكأن الوطن بأكمله يشاركهم احتفالهم السنوي بصورة رمزية جميلة، وهذه التفاصيل الصغيرة تخلق في وجدان الطفل رابطاً مبكراً مع وطنه، لا يقوم على الشعارات المجردة، بل على شعور إنساني دافئ بأن فرحه الشخصي متصل بفرح البلاد.

وفي زمن أصبحت فيه المناسبات تُستهلك بسرعة عبر الصور والمنشورات العابرة، تبقى المناسبات التي تحمل قيمة معنوية أعمق أكثر قدرة على البقاء في الذاكرة، فأن تقول ابنة لزميلاتها يوماً: “أنا ولدت في ذكرى يوم الاستقلال”، ليس مجرد تعريف بتاريخ ميلاد، بل إعلان غير مباشر عن قصة تحمل خصوصية ورمزية.

وربما تكمن روعة الأمر في أن الأسرة تستطيع تحويل هذا التزامن إلى تقليد سنوي جميل؛ صورة مع العلم الأردني، رسالة صغيرة تُكتب كل عام عن معنى الوطن، أو أمنية تربط بين نجاح الابنة ونجاح وطنها، فالأوطان، في النهاية، لا تُبنى فقط بالسياسة والاقتصاد، بل أيضًا بالمشاعر المشتركة والرموز التي تمنح الناس إحساسًا بالانتماء.

لهذا، فإن عيد ميلاد طفلتي الصغرى وقرة عيني في ذكرى يوم الاستقلال ليس مجرد مصادفة تقويمية، بل مناسبة تستحق الاحتفاء مرتين؛ مرة لأنها جاءت إلى الحياة لتملأ حياتي فرحاً، ومرة لأن الوطن بكل مكوناته يحتفل في اليوم ذاته بحياته هو الآخر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :