محطات في الاستقلال رسوخ مؤسسة البرلمان انموذجا
د. مهند صالح الطراونة
23-05-2026 06:53 PM
في الخامس والعشرين من أيار، من كل عام يستحضر الأردنيون لحظةً تأسيسية فارقة اكتملت فيها أركان الدولة الأردنية ذات السيادة، وترسخت فيها الشخصية القانونية والدستورية للمملكة بوصفها دولة مستقلة تمارس سلطاتها بإرادة وطنية حرة، باعتبار ان جوهر الاستقلال يتمثل في اكتمال سلطان الدولة على إقليمها وشعبها ومؤسساتها، وفي قدرتها على ممارسة اختصاصاتها العامة استناداً إلى الشرعية الدستورية وسيادة القانون.
ومنذ إعلان الاستقلال المملكة عام 1946، اتجه الأردن إلى بناء نموذج الدولة النيابية الملكية ظهيرها الدستور الحاكم للعلاقة بين السلطات، والمرجعية العليا التي تستمد منها مؤسسات الدولة شرعيتها واختصاصاتها.
وبالرجوع لاحكام دستور عام 1952 نجد انه كرس نهجا أكثر رسوخاً حين أرسى معالم النظام النيابي الملكي الوراثي، وأكد مبدأ الفصل بين السلطات مع تعاونها وتوازنها، بما ضمن استمرارية الدولة وثبات بنيتها القانونية في مواجهة المتغيرات السياسية والإقليمية.
ولقد تجلت قوة الدولة الأردنية في قدرتها على الحفاظ على انتظام مؤسساتها العامة رغم ما شهدته المنطقة من اضطرابات وانهيارات وصراعات على الشرعية. ففي الوقت الذي تعرضت فيه دول عديدة لاختلالات دستورية أفقدتها توازنها المؤسسي، بقي الأردن محافظاً على استقرار سلطاته الدستورية واستمرارها وفق أحكام الدستور، الأمر الذي عزز مفهوم الدولة المستقرة التي تستند إلى المشروعية القانونية لا إلى موازين القوة العابرة.
وفي السياق ذاته شكّلت المؤسسة البرلمانية أحد أبرز تجليات الدولة الدستورية الأردنية منذ نشأتها؛ إذ ارتبط تطور الحياة النيابية بتطور فكرة السيادة ذاتها. فمنذ تأسيس أول مجلس تشريعي في مرحلة الإمارة عام 1929، مروراً بمجلس الأمة بعد الاستقلال، وصولاً إلى المجالس النيابية المتعاقبة في ظل دستور 1952، ظل البرلمان الأردني يمثل ركناً أصيلاً في البناء الدستوري للدولة، وأداةً للتعبير عن الإرادة العامة ضمن الأطر التي رسمها الدستور.
ولم يكن الدور الدستوري لمجلس الأمة دوراً رمزياً أو شكلياً، بل تأسس على اختصاصات أصيلة في التشريع والرقابة السياسية وإقرار الموازنة العامة ومساءلة الحكومة، بما يعكس مبدأ المشاركة في إدارة الشأن العام وفق قواعد المسؤولية السياسية وسيادة القانون. وقد نصت المادة (24) من الدستور على أن “الأمة مصدر السلطات”، فيما قررت المادة (25) أن “تناط السلطة التشريعية بمجلس الأمة والملك”، وهو ما يعكس الطبيعة التوازنية للنظام الدستوري الأردني القائم على التكامل بين الشرعية الشعبية واستقرار الدولة.
كما أن تطور قواعد العمل البرلماني عبر العقود عكس قدرة الدولة الأردنية على التكيف الدستوري مع التحولات السياسية ، الامر الذي يجب ان يتبعة تطوير النظام الداخلي بما يتسق مع هذه التحولات وبما يتسق مع مسار التحديث السياسي في تمكين الاحزاب داخل البرلمان
كما ان الظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة، لم تقف حائلا دون المرجعية الدستورية الحاكمة لمسار الدولة، حيث اجريت الانتخابات النيابية و اثبتت قوة الدولة ورسوخ مؤسسة البرلمان فيها .
اليوم يتجدد التأكيد على أن استقرار الدول عماده صيانة شرعيتها الدستورية ورسوخ مؤسساتها الدستورية . وقد سطر الأردن، عبر مسيرته، أن الدولة التي تستند إلى دستور راسخ ومؤسسات مستقرة تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها الوطني.
اخيرا بقي ان اقول إن الاحتفاء بعيد الاستقلال لا يقتصر على استذكار حدث تاريخي مفصلي، بل يمثل تأكيداً متجدداً على استمرارية الدولة الأردنية بوصفها دولة مؤسسات وقانون؛ دولة استطاعت، رغم تعقيدات الإقليم واضطراباته، أن تحافظ على توازنها الدستوري، ووحدة سلطاتها، وهيبة مؤسساتها، لتبقى نموذجاً للدولة التي وجدت في الدستور أساساً لشرعيتها، وفي المؤسسية ضمانةً لاستمرارها، وفي سيادة القانون عنواناً لثباتها الوطني.
كل عام واردننا الغالي وعاش وطني حما عربيا آمنا مستقرا تحت تحت ظل الراية الهاشمية الخفاقة وحادي ركبها قائدنا وسيدنا ومعلمنا حظرة سيدي صاحب الجلالة الهاشمية جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم وولي عهده الامين سيدي صاحب السمو الملكي سمو الامير الحسين بن عبدالله حفظهم الله ورعاهم.
[email protected]