وكأن لبنان خُلق للحرب، وأنه منذور للصراعات منذ أمد بعيد. ولعل العتبة الأولى لذلك اندلعت مع انطلاق ثورة عام 1858 التي عصفت بجبل لبنان، أو لبنان الصغير حينها، والتي رسمت خطوط الصراع المحلي الذي أخذ طابعاً دولياً فيما بعد. فقد استغلت الدول الغربية، وخاصة فرنسا وروسيا، ضعف الدولة العثمانية لتصنع لنفسها ذريعة للتدخل، فارضةً مصالحها ووصايتها بشكل غير مباشر.
وحين احتلت فرنسا لبنان وسوريا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وخاصة بعد أن خسرت الدولة العربية السورية الفتية معركة ميسلون، بدأ تأسيس لبنان الكبير بضم طرابلس وولاية بيروت وصولاً إلى حدود فلسطين الحالية، تمهيداً لإعلان استقلال جمهورية لبنان ككيان سياسي دستوري.
هذا كله لم يُخرج لبنان من دوامة الصراعات والصدمات والحروب الداخلية/الأهلية، أو الخارجية مع إسرائيل منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا. وكانت ذروة هذه المواجهات الدامية متعددة المستويات تلك التي بدأت منذ نهاية عقد السبعينات من القرن المنصرم وحتى أواسط عقد التسعينات من القرن ذاته، إذ اختلطت الحرب الأهلية بالاجتياح الإسرائيلي والتدخل السوري وقوات الردع العربية والقوات الدولية، والتي أفرزت لبنان الطائف الماثل حالياً، عندما وافق أطراف الصراع الداخلي في مؤتمر الطائف على تقاسم السلطة، وهو العقد الذي أنهى سنوات طويلة من الحرب الأهلية والتدخلات الإقليمية والدولية.
بقي لبنان مسكوناً بالحروب مع إسرائيل، خاصة بعد بروز مسألة الشريط اللبناني المحتل وانشقاق جيش لبنان الجنوبي ليكون أحدى أدوات إسرائيل في السيطرة على جنوب لبنان، حتى عام 2000 حين اضطرت إسرائيل وجيش لبنان الجنوبي إلى الانسحاب من طرف واحد. وهذا لم يُنهِ الحروب التي كلما هدأت اندلعت من جديد، وكان حزب الله صاحب القرار فيها، عندما برز أكثر كأحد أذرع إيران، مؤتمراً بأمرها تحقيقاً لغاياتها ومصالحها، في مساس واضح بسيادة لبنان، واستلاب لقرار الحرب الذي هو حق سيادي للدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية. وما زال هذا السياق مستشرياً رغم كل الأهوال والخسائر التي تعرض لها لبنان وشعبه حتى اليوم.
هذه الحرب التي تدور رحاها اليوم مختلفة، لأن لبنان فيها مختلف تماماً. فلقد انقلبت الظروف على صناعها، فسقط نظام الأسد بشكل مدوٍّ، كاشفاً حجم الأثر السلبي والمدمر الذي خلّفه على المنطقة برمتها، فانقطعت بذلك خطوط الإمداد عند حزب الله، وخرجت إيران من سوريا بعد سنوات من الهيمنة التي دفعت ملايين السوريين إلى مسارات لجوء ونزوح بعيدة، وحطمت مقدرات البلد وبناه التحتية. كما أن إيران ضُربت في عقر دارها مرتين في حرب مؤلمة قضت على قيادات الصف الأول سياسياً وعسكرياً، وعلى رأسهم المرشد السابق، فضعفت أذرعها وتلاشت قبضتها. كما أن حزب الله أصابه قبل ذلك ما أصاب إيران تالياً، وقد ظهر ذلك جلياً في سير المعارك التي تجاوزت الليطاني كثيراً وهددت العمق الاستراتيجي للحزب، في حين تعرضت الضاحية الجنوبية إلى تدمير واسع وتهجير أوسع، وصل إلى صور وصيدا وغيرهما.
هنا نجد نهجاً رسمياً لبنانياً مغايراً، وتعرية لعوامل الحرب وأسبابها وأهداف مفتعليها، وإعلان براءة لبنان الرسمي منها، وأنها ليست حرب لبنان بل حرب إيران بالوكالة. فلبنان هنا يستعيد سيادته ويسير باتجاه قرارات المؤسسات الدستورية، مما يجعل من تفعيل قرار نزع سلاح الحزب أمراً لا مفر منه في طريق حصر السلاح في مؤسسات الدولة العسكرية فقط، والسير بإخراج لبنان من أتون حروب طويلة استنزفته على مدى عقود دون طائل، وبلا نتيجة تخدم الدولة اللبنانية وشعبها.
لذا فهذه الحرب مختلفة، ونتائجها بالتأكيد مختلفة، وتصب في مصلحة استعادة الدولة اللبنانية وسيادة قرارها. وهذا سيدفع، بحكم الواقع، إلى اضمحلال حزب الله عسكرياً وضعفه سياسياً، وبالتأكيد فقدانه لبيئته الحاضنة التي اكتشفت اللعبة وبدأت تنقلب عليها وعلى أصحابها، والعودة إلى حضن الدولة والانخراط بمؤسساتها الدستورية.
الراي